كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ٦٠٢
يُعْطِ غَيْرَهُمْ وَ ذَلِكَ لِمَا يُرِيدُ مِنْ بُلُوغِ رِسَالَتِهِ وَ مَوَاقِعِ حُجَجِهِ وَ كَانَتِ الرُّسُلُ إِذَا جَاءَتْ وَ أَظْهَرَتْ دَعْوَتَهَا أَجَابَهُمْ مِنَ النَّاسِ أَيْضاً مَنْ لَمْ يَكُنْ أَجَابَ الْحُكَمَاءَ وَ ذَلِكَ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى دَعْوَتِهِمْ مِنَ الضِّيَاءِ وَ الْبُرْهَانِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ أَ فَرَأَيْتَ مَا يَأْتِي بِهِ الرُّسُلُ وَ الْأَنْبِيَاءُ إِذْ زَعَمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامِ النَّاسِ وَ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ هُوَ كَلَامٌ وَ كَلَامُ مَلَائِكَتِهِ كَلَامٌ قَالَ الْحَكِيمُ أَ مَا رَأَيْتَ النَّاسَ لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يُفْهِمُوا بَعْضَ الدَّوَابِّ وَ الطَّيْرِ مَا يُرِيدُونَ مِنْ تَقَدُّمِهَا وَ تَأَخُّرِهَا وَ إِقْبَالِهَا وَ إِدْبَارِهَا لَمْ يَجِدُوا الدَّوَابَّ وَ الطَّيْرَ تَحْمِلُ كَلَامَهُمُ الَّذِي هُوَ كَلَامُهُمْ فَوَضَعُوا مِنَ النَّقْرِ وَ الصَّفِيرِ وَ الزَّجْرِ مَا يَبْلُغُوا بِهِ حَاجَتَهُمْ وَ مَا عَرَفُوا أَنَّهَا تُطِيقُ حَمْلَهُ وَ كَذَلِكَ الْعِبَادُ يعجزوا [يَعْجَزُونَ] أَنْ يَعْلَمُوا كَلَامَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ كَلَامَ مَلَائِكَتِهِ عَلَى كُنْهِهِ وَ كَمَالِهِ وَ لُطْفِهِ وَ صِفَتِهِ فَصَارَ مَا تَرَاجَعَ النَّاسُ بَيْنَهُمْ مِنَ الْأَصْوَاتِ الَّتِي سَمِعُوا بِهَا الْحِكْمَةَ شَبِيهاً بِمَا وَضَعَ النَّاسُ لِلدَّوَابِّ وَ الطَّيْرِ وَ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الصَّوْتُ مَكَانَ الْحِكْمَةِ المُخْبِرَةِ فِي تِلْكَ الْأَصْوَاتِ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ وَاضِحَةً بَيْنَهُمْ قَوِيَّةً مُنِيرَةً شَرِيفَةً عَظِيمَةً وَ لَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ وُقُوعِ مَعَانِيهَا عَلَى مَوَاقِعِهَا وَ بُلُوغِ مَا احْتَجَّ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْعِبَادِ فِيهَا وَ كَانَ الصَّوْتُ لِلْحِكْمَةِ جَسَداً وَ مَسْكَناً وَ كَانَتِ الْحِكْمَةُ لِلصَّوْتِ نَفْساً وَ رُوحاً وَ لَا طَاقَةَ لِلنَّاسِ أَنْ يُنْفِذُوا غَوْرَ كَلَامِ الْحِكْمَةِ وَ لَا يُحِيطُوا بِهِ بِعُقُولِهِمْ فَمِنْ قِبَلِ ذَلِكَ تَفَاضَلَتِ الْعُلَمَاءُ فِي عِلْمِهِمْ فَلَا يَزَالُ عَالِمٌ يَأْخُذُ عِلْمَهُ مِنْ عَالِمٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْعِلْمُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ وَ كَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ قَدْ يُصِيبُونَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَ الْعِلْمِ مَا يُنْجِيهِمْ مِنَ الْجَهْلِ وَ لَكِنْ لِكُلِّ ذِي فَضْلٍ فَضْلُهُ كَمَا أَنَّ النَّاسَ يَنَالُونَ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي مَعَايِشِهِمْ وَ أَبْدَانِهِمْ وَ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُنْفِذُوهَا بِأَبْصَارِهِمْ فَهِيَ كَالْعَيْنِ الْغَزِيرَةِ الظَّاهِرِ مَجْرَاهَا الْمَكْنُونِ عُنْصُرُهَا فَالنَّاسُ قَدْ يُجِيبُونَ بِمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ مَائِهَا وَ لَا يُدْرِكُونَ غَوْرَهَا وَ هِيَ كَالنُّجُومِ الزَّاهِرَةِ الَّتِي يَهْتَدِي بِهَا النَّاسُ وَ لَا يَعْلَمُونَ مَسَاقِطَهَا فَالْحِكْمَةُ أَشْرَفُ وَ أَرْفَعُ وَ أَعْظَمُ مِمَّا وَصَفْنَاهَا بِهِ كُلِّهِ هِيَ مِفْتَاحُ بَابِ كُلِّ خَيْرٍ يُرْتَجَى وَ النَّجَاةُ مِنْ كُلِّ شَرٍّ يُتَّقَى وَ هِيَ شَرَابُ الْحَيَاةِ الَّتِي مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَمُتْ أَبَداً وَ الشِّفَاءُ لِلسَّقَمِ الَّذِي مَنِ اسْتَشْفَى بِهِ لَمْ يَسْقُمْ أَبَداً وَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي مَنْ سَلَكَهُ