كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ٥٩٠
ثَلَاثُونَ يَوْماً وَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً وَ انْقِضَاءُ الْعُمُرِ مِائَةُ سَنَةٍ فَمَا أَسْرَعَ الْيَوْمَ فِي الشَّهْرِ وَ مَا أَسْرَعَ الشَّهْرَ فِي السَّنَةِ وَ مَا أَسْرَعَ السَّنَةَ فِي الْعُمُرِ فَانْصَرَفَ الْغُلَامُ وَ هَذَا كَلَامُهُ يَبْدَؤُهُ وَ يُعِيدُهُ مُكَرِّراً لَهُ.
ثُمَّ سَهِرَ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا وَ كَانَ لَهُ قَلْبٌ حَيٌّ ذَكِيٌّ وَ عَقْلٌ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ نِسْيَاناً وَ لَا غَفْلَةً فَعَلَاهُ الْحُزْنُ وَ الِاهْتِمَامُ فَانْصَرَفَ نَفْسُهُ عَنِ الدُّنْيَا وَ شَهَوَاتِهَا وَ كَانَ فِي ذَلِكَ يُدَارِي أَبَاهُ وَ يَتَلَطَّفُ عِنْدَهُ وَ هُوَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ أَصْغَى بِسَمْعِهِ إِلَى كُلِّ مُتَكَلِّمٍ بِكَلِمَةٍ طَمَعَ أَنْ يَسْمَعَ شَيْئاً يَدُلُّهُ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ وَ خَلَا بِحَاضِنِهِ الَّذِي كَانَ أَفْضَى إِلَيْهِ بِسِرِّهِ فَقَالَ لَهُ هَلْ تَعْرِفُ مِنَ النَّاسِ أَحَداً شَأْنُهُ غَيْرُ شَأْنِنَا هَذَا قَالَ نَعَمْ قَدْ كَانَ قَوْمٌ يُقَالُ لَهُمُ النُّسَّاكُ رَفَضُوا الدُّنْيَا وَ طَلَبُوا الْآخِرَةَ وَ لَهُمْ كَلَامٌ وَ عِلْمٌ لَا يُدْرَى مَا هُوَ غَيْرَ أَنَّ النَّاسَ عَادُوهُمْ وَ أَبْغَضُوهُمْ وَ حَرَّقُوهُمْ وَ نَفَاهُمُ الْمَلِكُ عَنْ هَذِهِ الْأَرْضِ فَلَا يُعْلَمُ الْيَوْمَ بِبِلَادِنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ فَإِنَّهُمْ قَدْ غَيَّبُوا أَشْخَاصَهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْفَرَجَ وَ هَذِهِ سُنَّةٌ فِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ قَدِيمَةٌ يَتَعَاطُونَهَا فِي دُوَلِ الْبَاطِلِ فَاغْتَصَّ لِذَلِكَ الْخَبَرِ فُؤَادُهُ وَ طَالَ بِهِ اهْتِمَامُهُ وَ صَارَ كَالرَّجُلِ الْمُلْتَمِسِ ضَالَّتَهُ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا وَ ذَاعَ خَبَرُهُ فِي آفَاقِ الْأَرْضِ وَ شُهِرَ بِتَفَكُّرِهِ وَ جَمَالِهِ وَ كَمَالِهِ وَ فَهْمِهِ وَ عَقْلِهِ وَ زَهَادَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَ هَوَانِهَا عَلَيْهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَجُلًا مِنَ النُّسَّاكِ يُقَالُ لَهُ بِلَوْهَرُ بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا سَرَنْدِيبُ كَانَ رَجُلًا نَاسِكاً حَكِيماً فَرَكِبَ الْبَحْرَ حَتَّى أَتَى أَرْضَ سُولَابِطَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بَابِ ابْنِ الْمَلِكِ فَلَزِمَهُ وَ طَرَحَ عَنْهُ زِيَّ النُّسَّاكِ وَ لَبِسَ زِيَّ التُّجَّارِ وَ تَرَدَّدَ إِلَى بَابِ ابْنِ الْمَلِكِ حَتَّى عَرَفَ الْأَهْلَ وَ الْأَحِبَّاءَ وَ الدَّاخِلِينَ إِلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَبَانَ لَهُ لُطْفُ الْحَاضِنِ بِابْنِ الْمَلِكِ وَ حُسْنُ مَنْزِلَتِهِ مِنْهُ أَطَافَ بِهِ بِلَوْهَرُ حَتَّى أَصَابَ مِنْهُ خَلْوَةً فَقَالَ لَهُ إِنِّي رَجُلٌ مِنْ تُجَّارِ سَرَنْدِيبَ قَدِمْتُ مُنْذُ أَيَّامٍ وَ مَعِي سِلْعَةٌ عَظِيمَةٌ نَفِيسَةُ الثَّمَنِ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ فَأَرَدْتُ الثِّقَةَ لِنَفْسِي فَعَلَيْكَ وَقَعَ اخْتِيَارِي وَ سِلْعَتِي خَيْرٌ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ وَ هِيَ تُبْصِرُ الْعُمْيَانَ وَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ تُدَاوِي الْأَسْقَامَ وَ تُقَوِّي مِنَ الضَّعْفِ وَ تَعْصِمُ مِنَ الْجُنُونِ وَ تَنْصُرُ عَلَى الْعَدُوِّ وَ لَمْ أَرَ بِهَذَا أَحَداً هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ هَذَا الْفَتَى فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَذْكُرَ لَهُ ذَلِكَ ذَكَرْتَهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهَا حَاجَةٌ أَدْخَلْتَنِي عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَنْهُ فَضْلُ سِلْعَتِي لَوْ قَدْ نَظَرَ