كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ٦٠٧
فِي طَرِيقِهِ عَلَى جَارِيَةٍ عَلَيْهَا ثِيَابٌ خُلْقَانٌ لَهَا قَائِمَةٍ عَلَى بَابِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الْمَسَاكِينِ فَأَعْجَبَتْهُ الْجَارِيَةُ فَقَالَ لَهَا مَنْ أَنْتِ أَيَّتُهَا الْجَارِيَةُ قَالَتْ أَنَا ابْنَةُ شَيْخٍ كَبِيرٍ فِي هَذَا الْبَيْتِ فَنَادَى الْفَتَى الشَّيْخَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ هَلْ تُزَوِّجُنِي ابْنَتَكَ هَذِهِ قَالَ مَا أَنْتَ بِمُتَزَوِّجٍ لِبَنَاتِ الْفُقَرَاءِ وَ أَنْتَ فَتًى مِنَ الْأَغْنِيَاءِ قَالَ أَعْجَبَتْنِي هَذِهِ الْجَارِيَةُ وَ لَقَدْ خَرَجْتُ هَارِباً مِنِ امْرَأَةٍ ذَاتِ حَسَبٍ وَ مَالٍ أَرَادُوا مِنِّي تَزْوِيجَهَا فَكَرِهْتُهَا فَزَوِّجْنِي ابْنَتَكَ فَإِنَّكَ وَاجِدٌ عِنْدِي خَيْراً إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ الشَّيْخُ كَيْفَ أُزَوِّجُكَ ابْنَتِي وَ نَحْنُ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُنَا أَنْ تَنَقُلَهَا عَنَّا وَ لَا أَحْسَبُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَكَ يَرْضَوْنَ أَنْ تَنْقُلَهَا إِلَيْهِمْ قَالَ الْفَتَى فَنَحْنُ مَعَكُمْ فِي مَنْزِلِكُمْ هَذَا قَالَ الشَّيْخُ إِنْ صَدَقْتَ فِيمَا تَقُولُ فَاطْرَحْ عَنْكَ زِيَّكَ وَ حِلْيَتَكَ هَذِهِ قَالَ فَفَعَلَ الْفَتَى ذَلِكَ وَ أَخَذَ أَطْمَاراً رَثَّةً مِنْ أَطْمَارِهِمْ فَلَبِسَهَا وَ قَعَدَ مَعَهُمْ فَسَأَلَهُ الشَّيْخُ عَنْ شَأْنِهِ وَ عَرَضَ لَهُ بِالْحَدِيثِ حَتَّى فَتَّشَ عَقْلَهُ فَعَرَفَ أَنَّهُ صَحِيحُ الْعَقْلِ وَ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى مَا صَنَعَ السَّفَهُ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ أَمَّا إِذَا اخْتَرْتَنَا وَ رَضِيتَ بِنَا فَقُمْ مَعِي إِلَى هَذَا السَّرْبِ فَأَدْخَلَهُ فَإِذَا خَلْفَ مَنْزِلِهِ بُيُوتٌ وَ مَسَاكِنُ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ سَعَةً وَ حُسْناً وَ لَهُ خَزَائِنُ مِنْ كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ مَفَاتِيحَهُ وَ قَالَ لَهُ إِنَّ كُلَّ مَا هَاهُنَا لَكَ فَاصْنَعْ بِهِ مَا أَحْبَبْتَ فَنِعْمَ الْفَتَى أَنْتَ وَ أَصَابَ الْفَتَى مَا كَانَ يُرِيدُهُ.
قَالَ يُوذَاسُفُ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا صَاحِبَ هَذَا الْمَثَلِ إِنَّ الشَّيْخَ فَتَّشَ عَقْلَ هَذَا الْغُلَامَ حَتَّى وَثِقَ بِهِ فَلَعَلَّكَ تَطَوَّلُ بِي عَلَى تَفْتِيشِ عَقْلِي فَأَعْلِمْنِي مَا عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ قَالَ الْحَكِيمُ لَوْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ إِلَيَّ لَاكْتَفَيْتُ مِنْكَ بِأَدْنَى الْمُشَافَهَةِ وَ لَكِنَّ فَوْقَ رَأْسِي سُنَّةً قَدْ سَنَّهَا أَئِمَّةُ الْهُدَى فِي بُلُوغِ الْغَايَةِ فِي التَّوْفِيقِ وَ عِلْمِ مَا فِي الصُّدُورِ فَأَنَا أَخَافُ إِنْ خَالَفْتُ السُّنَّةَ أَنْ أَكُونَ قَدْ أَحْدَثْتُ بِدْعَةً وَ أَنَا مُنْصَرِفٌ عَنْكَ اللَّيْلَةَ وَ حَاضِرٌ بَابَكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فَفَكِّرْ فِي نَفْسِكَ بِهَذَا وَ اتَّعِظْ بِهِ وَ لْيَحْضُرْكَ فَهْمُكَ تَثْبُتْ وَ لَا تَعْجَلْ بِالتَّصْدِيقِ لِمَا يُورِدُهُ عَلَيْكَ هَمُّكَ حَتَّى تَعْلَمَهُ بَعْدَ التُّؤَدَةِ وَ الْأَنَاةِ وَ عَلَيْكَ بِالاحْتِرَاسِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَغْلِبَكَ الْهَوَى وَ الْمَيْلُ إِلَى الشُّبْهَةِ وَ الْعَمَى وَ اجْتَهِدْ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي تَظُنُّ أَنَ