كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ٦٣١
أَحَداً إِلَّا مَنْ هَوِيَتْهُ وَ رَضِيَتْهُ وَ بَنَى لَهَا غُرْفَةً عَالِيَةً مُشْرِفَةً عَلَى الطَّرِيقِ فَهِيَ فِيهَا جَالِسَةٌ تَنْظُرُ إِلَى كُلِّ مَنْ أَقْبَلَ وَ أَدْبَرَ فَبَيْنَمَا هِيَ كَذَلِكَ إِذْ نَظَرَتْ إِلَى الْغُلَامِ يَطُوفُ فِي السُّوقِ وَ صَاحِبُهُ مَعَهُ فِي خُلْقَانِهِ فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا إِنِّي قَدْ هَوِيتُ رَجُلًا فَإِنْ كُنْتَ مُزَوِّجِي أَحَداً مِنَ النَّاسِ فَزَوِّجْنِي مِنْهُ وَ أُتِيَتْ أُمُّ الْجَارِيَةِ فَقِيلَ لَهَا إِنَّ ابْنَتَكَ قَدْ هَوِيَتْ رَجُلًا وَ هِيَ تَقُولُ كَذَا وَ كَذَا فَأَقْبَلَتْ إِلَيْهَا فَرِحَةً حَتَّى تَنْظُرَ إِلَى الْغُلَامِ فَأَرَوْهَا إِيَّاهُ فَنَزَلَتْ أُمُّهَا مُسْرِعَةً حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى الْمَلِكِ فَقَالَتْ إِنَّ ابْنَتَكَ قَدْ هَوِيَتْ رَجُلًا فَأَقْبَلَ الْمَلِكُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَرُونِيهِ فَأَرَوْهُ مِنْ بُعْدٍ فَأَمَرَ أَنْ يُلْبَسَ ثِيَاباً أُخْرَى وَ نَزَلَ فَسَأَلَهُ وَ اسْتَنْطَقَهُ وَ قَالَ مَنْ أَنْتَ وَ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ قَالَ الْغُلَامُ وَ مَا سُؤَالُكَ عَنِّي أَنَا رَجُلٌ مِنْ مَسَاكِينِ النَّاسِ فَقَالَ إِنَّكَ لَغَرِيبٌ وَ مَا يُشْبِهُ لَوْنُكَ أَلْوَانَ أَهْلِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ الْغُلَامُ مَا أَنَا بِغَرِيبٍ فَعَالَجَهُ الْمَلِكُ أَنْ يَصْدُقَهُ قِصَّتَهُ فَأَبَى فَأَمَرَ الْمَلِكُ أُنَاساً أَنْ يَحْرُسُوهُ وَ يَنْظُرُوا أَيْنَ يَأْخُذُ وَ لَا يَعْلَمُ بِهِمْ ثُمَّ رَجَعَ الْمَلِكُ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنَّهُ ابْنُ مَلِكٍ وَ مَا لَهُ حَاجَةٌ فِيمَا تُرَاوِدُونَهُ عَلَيْهِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ الْمَلِكَ يَدْعُوكَ فَقَالَ الْغُلَامُ وَ مَا أَنَا وَ الْمَلِكُ يَدْعُونِّي وَ مَا لِي إِلَيْهِ حَاجَةٌ وَ مَا يَدْرِي مَنْ أَنَا فَانْطُلِقَ بِهِ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ فَأَمَرَ بِكُرْسِيٍّ فَوُضِعَ لَهُ فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَ دَعَا الْمَلِكُ امْرَأَتَهُ وَ ابْنَتَهُ فَأَجْلَسَهُمَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ خَلْفَهُ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ دَعَوْتُكَ لِخَيْرٍ إِنَّ لِيَ ابْنَةً قَدْ رَغِبَتْ فِيكَ أُرِيدُ أَنْ أُزَوِّجَهَا مِنْكَ فَإِنْ كُنْتَ مِسْكِيناً فَأَغْنَيْنَاكَ وَ رَفَعْنَاكَ وَ شَرَّفْنَاكَ قَالَ الْغُلَامُ مَا لِي فِيمَا تَدْعُونِي إِلَيْهِ حَاجَةٌ فَإِنْ شِئْتَ ضَرَبْتُ لَكَ مَثَلًا أَيُّهَا الْمَلِكُ قَالَ فَافْعَلْ.
قَالَ الْغُلَامُ زَعَمُوا أَنَّ مَلِكاً مِنَ الْمُلُوكِ كَانَ لَهُ ابْنٌ وَ كَانَ لِابْنِهِ أَصْدِقَاءُ صَنَعُوا لَهُ طَعَاماً وَ دَعَوْهُ إِلَيْهِ فَخَرَجَ مَعَهُمْ فَأَكَلُوا وَ شَرِبُوا حَتَّى سَكِرُوا فَنَامُوا فَاسْتَيْقَظَ ابْنُ الْمَلِكِ فِي وَسَطِ اللَّيْلِ فَذَكَرَ أَهْلَهُ فَخَرَجَ عَامِداً إِلَى مَنْزِلِهِ وَ لَمْ يُوقِظْ أَحَداً مِنْهُمْ فَبَيْنَا هُوَ فِي مَسِيرِهِ إِذْ بَلَغَ مِنْهُ الشَّرَابُ فَبَصُرَ بِقَبْرٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَظَنَّ أَنَّهُ مَدْخَلُ بَيْتِهِ فَدَخَلَهُ فَإِذَا هُوَ بِرِيحِ الْمَوْتَى فَحَسِبَ ذَلِكَ لِمَا كَانَ بِهِ السُّكْرُ أَنَّهُ رِيَاحٌ طَيِّبَةٌ فَإِذَا هُوَ بِعِظَامٍ لَا يَحْسَبُهَا إِلَّا فُرُشَهُ الْمُمَهَّدَةَ فَإِذَا هُوَ بِجَسَدٍ قَدْ مَاتَ حَدِيثاً وَ قَدْ أَرْوَحَ فَحَسِبَهُ أَهْلَهُ فَقَامَ إِلَى جَانِبِهِ