كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ٦٢٨
فَإِذَا هِيَ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْإِهَانَةِ وَ الْإِكْرَامِ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَتَيْتُ الْحُكَمَاءَ فَسَأَلْتُهُمْ عَنْهَا فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَهُمْ عِلْماً بِهَا ثُمَّ عَلِمْتُ أَنَّ الْمَلِكَ مُنْتَهَى الْعِلْمِ وَ مَأْوَى الْحِلْمِ فَأَتَيْتُكَ خَائِفاً عَلَى نَفْسِي وَ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى تَبْدَأَنِي بِهِ وَ أُحِبُّ أَنْ تُخْبِرَنِي أَيُّهَا الْمَلِكُ أَ جُمْجُمَةُ مَلِكٍ هِيَ أَمْ جُمْجُمَةُ مِسْكِينٍ فَإِنَّهَا لَمَّا أَعْيَانِي أَمْرُهَا تَفَكَّرْتُ فِي أَمْرِهَا وَ فِي عَيْنِهَا الَّتِي كَانَتْ لَا يَمْلَؤُهَا شَيْءٌ حَتَّى لَوْ قَدَرَتْ عَلَى مَا دُونَ السَّمَاءِ مِنْ شَيْءٍ تَطَلَّعَتْ إِلَى أَنْ تَتَنَاوَلَ مَا فَوْقَ السَّمَاءِ فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ مَا الَّذِي يَسُدُّهَا وَ يَمْلَؤُهَا فَإِذَا وَزْنُ دِرْهَمٍ مِنْ تُرَابٍ قَدْ سَدَّهَا وَ مَلَأَهَا وَ نَظَرْتُ إِلَى فِيهَا[١] الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَمْلَؤُهُ شَيْءٌ فَمَلَأَتْهُ قَبْضَةٌ مِنْ تُرَابٍ فَإِنْ أَخْبَرْتَنِي أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنَّهَا جُمْجُمَةُ مِسْكِينٍ احْتَجَجْتُ عَلَيْكَ بِأَنِّي قَدْ وَجَدْتُهَا وَسْطَ قُبُورِ الْمُلُوكِ ثُمَّ اجْمَعْ جَمَاجِمَ مُلُوكٍ وَ جَمَاجِمَ مَسَاكِينَ فَإِنْ كَانَ لِجَمَاجِمِكُمْ عَلَيْهَا فَضْلٌ فَهُوَ كَمَا قُلْتَ وَ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِأَنَّهَا مِنْ جَمَاجِمِ الْمُلُوكِ أَنْبَأْتُكَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَلِكَ الَّذِي كَانَتْ هَذِهِ جُمْجُمَتَهُ قَدْ كَانَ مِنْ بَهَاءِ الْمَلِكِ وَ جَمَالِهِ وَ عِزَّتِهِ فِي مِثْلِ مَا أَنْتَ فِيهِ الْيَوْمَ فَحَاشَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنْ تَصِيرَ إِلَى حَالِ هَذِهِ الْجُمْجُمَةِ فَتُوطَأَ بِالْأَقْدَامِ وَ تُخْلَطَ بِالتُّرَابِ وَ يَأْكُلَكَ الدُّودُ وَ تُصْبِحَ بَعْدَ الْكَثْرَةِ قَلِيلًا وَ بَعْدَ الْعِزَّةِ ذَلِيلًا وَ تَسَعَكَ حُفْرَةٌ طُولُهَا أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ وَ يُورَثَ مُلْكُكَ وَ يَنْقَطِعَ ذِكْرُكَ وَ يَفْسُدَ صَنَائِعُكَ وَ يُهَانَ مَنْ أَكْرَمْتَ وَ يُكْرَمَ مَنْ أَهَنْتَ وَ تَسْتَبْشِرَ أَعْدَاؤُكَ وَ يَضِلَّ أَعْوَانُكَ وَ يَحُولَ التُّرَابُ دُونَكَ فَإِنْ دَعَوْنَاكَ لَمْ تَسْمَعْ وَ إِنْ أَكْرَمْنَاكَ لَمْ تَقْبَلْ وَ إِنْ أَهَنَّاكَ لَمْ تَغْضَبْ فَيَصِيرَ بَنُوكَ يَتَامَى وَ نِسَاؤُكَ أَيَامَى[٢] وَ أَهْلُكَ يُوشِكُ أَنْ يَسْتَبْدِلْنَ أَزْوَاجاً غَيْرَكَ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ ذَلِكَ فَزِعَ قَلْبُهُ وَ انْسَكَبَتْ عَيْنَاهُ يَبْكِي وَ يَعُولُ وَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ قَدِ اسْتَمْكَنَ مِنَ الْمَلِكِ وَ قَوْلَهُ قَدْ أَنْجَعَ فِيهِ زَادَهُ ذَلِكَ جُرْأَةً عَلَيْهِ وَ تَكْرِيراً لِمَا قَالَ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ جَزَاكَ اللَّهُ عَنِّي خَيْراً وَ جَزَى مَنْ حَوْلِي مِنَ الْعُظَمَاءِ شَرّاً لَعَمْرِي لَقَدْ عَلِمْتُ مَا أَرَدْتَ بِمَقَالَتِكَ هَذِهِ وَ قَدْ أَبْصَرْتُ
[١]. يعني فمها.
[٢]. أي لا زوج لهن.