كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ٦٢٦
قَالَ يُوذَاسُفُ قَدْ سُرِرْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ جِدّاً فَزِدْنِي مِنْ نَحْوِهِ أَزْدَدْ سُرُوراً وَ لِرَبِّي شُكْراً.
قَالَ الْحَكِيمُ زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ الصَّالِحِينَ وَ كَانَ لَهُ جُنُودٌ يَخْشَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ يَعْبُدُونَهُ وَ كَانَ فِي مُلْكِ أَبِيهِ شِدَّةٌ مِنْ زَمَانِهِمْ وَ التَّفَرُّقُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ يَنْقُصُ الْعَدُوُّ مِنْ بِلَادِهِمْ وَ كَانَ يَحُثُّهُمْ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ خَشْيَتِهِ وَ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَ مُرَاقَبَتِهِ وَ الْفَزَعِ إِلَيْهِ فَلَمَّا مَلَكَ ذَلِكَ الْمَلِكُ قَهَرَ عَدُوَّهُ وَ اسْتَجْمَعَتْ رَعِيَّتُهُ وَ صَلَحَتْ بِلَادُهُ وَ انْتَظَمَ لَهُ الْمُلْكُ فَلَمَّا رَأَى مَا فَضَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ أَتْرَفَهُ ذَلِكَ وَ أَبْطَرَهُ وَ أَطْغَاهُ حَتَّى تَرَكَ عِبَادَةَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ كَفَرَ نِعَمَهُ وَ أَسْرَعَ فِي قَتْلِ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَ دَامَ مُلْكُهُ وَ طَالَتْ مُدَّتُهُ حَتَّى ذَهَلَ النَّاسُ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ قَبْلَ مُلْكِهِ وَ نشوه [نَسُوهُ] وَ أَطَاعُوهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَ أَسْرَعُوا إِلَى الضَّلَالَةِ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ فَنَشَأَ فِيهِ الْأَوْلَادُ وَ صَارَ لَا يُعْبَدُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِمْ وَ لَا يُذْكَرُ بَيْنَهُمْ اسْمُهُ وَ لَا يَحْسَبُونَ أَنَّ لَهُمْ إِلَهاً غَيْرَ الْمَلِكِ وَ كَانَ ابْنُ الْمَلِكِ قَدْ عَاهَدَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ إنْ هُوَ مَلَكَ يَوْماً أَنْ يَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْمُلُوكِ يَعْمَلُونَ بِهِ وَ لَا يَسْتَطِيعُونَهُ فَلَمَّا مَلَكَ أَنْسَاهُ الْمُلْكُ رَأْيَهُ الْأَوَّلَ وَ نِيَّتَهُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وَ سَكِرَ سُكْرَ صَاحِبِ الْخَمْرِ فَلَمْ يَكُنْ يَصْحُو وَ يُفِيقُ[١] وَ كَانَ مِنْ أَهْلِ لُطْفِ الْمَلِكِ رَجُلٌ صَالِحٌ أَفْضَلُ أَصْحَابِهِ مَنْزِلَةً عِنْدَهُ فَتَوَجَّعَ لَهُ مِمَّا رَأَى مِنْ ضَلَالَتِهِ فِي دِينِهِ وَ نِسْيَانِهِ مَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ وَ كَانَ كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَعِظَهُ ذَكَرَ عُتُوَّهُ وَ جَبَرُوتَهُ وَ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ تِلْكَ الْأُمَّةِ غَيْرُهُ وَ غَيْرُ رَجُلٍ آخَرَ فِي نَاحِيَةِ أَرْضِ الْمَلِكِ لَا يُعْرَفُ مَكَانُهُ وَ لَا يُدْعَى بِاسْمِهِ فَدَخَلَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمَلِكِ بِجُمْجُمَةٍ قَدْ لَفَّهَا فِي ثِيَابِهِ فَلَمَّا جَلَسَ عَنْ يَمِينِ الْمَلِكِ انْتَزَعَهَا عَنْ ثِيَابِهِ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ وَطِئَهَا بِرِجْلِهِ فَلَمْ يَزَلْ يَفْرُكُهَا[٢] بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ وَ عَلَى بِسَاطِهِ حَتَّى دَنِسَ مَجْلِسُ الْمَلِكِ بِمَا تَحَاتُّ مِنْ تِلْكَ الْجُمْجُمَةِ فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ مَا صَنَعَ غَضِبَ مِنْ ذَلِكَ غَضَباً شَدِيداً وَ شَخَصَتْ إِلَيْهِ أَبْصَارُ جُلَسَائِهِ وَ اسْتَعَدَّتِ الْحَرَسُ بِأَسْيَافِهِمْ-
[١]. صحا السكران: ذهب سكره و أفاق.
[٢]. فرك الثوب: دلكه، الشيء عن الثوب أزاله و حكه حتّى تفتت.