كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ٦٠٩
وَ لَا أَرَى هَذِهِ الْحَيَاةَ حَيَاةً وَ لَا مَا أَتَوَقَّعُ مِنَ الْمَوْتِ مَكْرُوهاً فَكَيْفَ يَرْغَبُ فِي الْحَيَاةِ مَنْ قَدْ تَرَكَ حَظَّهُ مِنْهَا أَوْ يَهْرُبُ مِنَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ أَمَاتَ نَفْسَهُ بِيَدِهِ أَ وَ لَا تَرَى يَا ابْنَ الْمَلِكِ أَنَّ صَاحِبَ الدِّينِ قَدْ رَفَضَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ وَ مَا لَا يَرْغَبُ فِي الْحَيَاةِ إِلَّا لَهُ[١] وَ احْتَمَلَ مِنْ نَصَبِ الْعِبَادَةِ مَا لَا يُرِيحُهُ مِنْهُ إِلَّا الْمَوْتُ فَمَا حَاجَةُ مَنْ لَا يَتَمَتَّعُ بِلَذَّةِ الْحَيَاةِ إِلَى الْحَيَاةِ أَوْ مهرب [يَهْرُبُ] مَنْ لَا رَاحَةَ لَهُ إِلَّا فِي الْمَوْتِ مِنَ الْمَوْتِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ صَدَقْتَ أَيُّهَا الْحَكِيمُ فَهَلْ يَسُرُّكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ الْمَوْتُ مِنْ غَدٍ قَالَ الْحَكِيمُ بَلْ يَسُرُّنِي أَنْ يَنْزِلَ بِيَ اللَّيْلَةَ دُونَ غَدٍ فَإِنَّهُ مَنْ عَرَفَ السَّيِّئَ وَ الْحَسَنَ وَ عَرَفَ ثَوَابَهُمَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ تَرَكَ السَّيِّئَ مَخَافَةَ عِقَابِهِ وَ عَمِلَ بِالْحَسَنِ رَجَاءَ ثَوَابِهِ وَ مَنْ كَانَ مُوقِناً بِاللَّهِ وَحْدَهُ مُصَدِّقاً بِوَعْدِهِ فَإِنَّهُ يُحِبُّ الْمَوْتَ لِمَا يَرْجُو بَعْدَ الْمَوْتِ مِنَ الرَّخَاءِ وَ يَزْهَدُ فِي الْحَيَاةِ لِمَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا وَ الْمَعْصِيَةِ لِلَّهِ فِيهَا فَهُوَ يُحِبُّ الْمَوْتَ مُبَادِرَةً مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ إِنَّ هَذَا لَخَلِيقٌ أَنْ يُبَادِرَ الْهَلَكَةَ لِمَا يَرْجُو فِي ذَلِكَ مِنَ النَّجَاةِ فَاضْرِبْ لِي مَثَلَ أُمَّتِنَا هَذِهِ وَ عُكُوفِهَا عَلَى أَصْنَامِهَا.
قَالَ الْحَكِيمُ إِنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَعْمُرُهُ وَ يُحْسِنُ الْقِيَامَ عَلَيْهِ إِذْ رَأَى فِي بُسْتَانِهِ ذَاتَ يَوْمٍ عُصْفُوراً وَاقِعاً عَلَى شَجَرَةٍ مِنْ شَجَرِ الْبُسْتَانِ يُصِيبُ مِنْ ثَمَرِهَا فَغَاضَهُ ذَلِكَ فَنَصَبَ فَخّاً فَصَادَهُ فَلَمَّا هَمَّ بِذَبْحِهِ أَنْطَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِقُدْرَتِهِ فَقَالَ لِصَاحِبِ الْبُسْتَانِ إِنَّكَ تَهْتَمُّ بِذَبْحِي وَ لَيْسَ فِيَّ مَا يُشْبِعُكَ مِنْ جُوعٍ وَ لَا يُقَوِّيكَ مِنْ ضَعْفٍ فَهَلْ لَكَ فِيَّ خَيْرٌ مِمَّا هَمَمْتَ بِهِ قَالَ الرَّجُلُ مَا هُوَ قَالَ الْعُصْفُورُ تُخَلِّي سَبِيلِي وَ أُعَلِّمُكَ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ إِنْ أَنْتَ حَفِظْتَهُنَّ كُنَّ خَيْراً لَكَ مِنْ أَهْلٍ وَ مَالٍ هُوَ لَكَ قَالَ قَدْ فَعَلْتُ فَأَخْبِرْنِي بِهِنَّ قَالَ الْعُصْفُورُ احْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ لَا تَأْسَ عَلَى مَا فَاتَكَ وَ لَا تُصَدِّقَنَّ بِمَا لَا يَكُونُ وَ لَا تَطْلُبَنَّ مَا لَا تُطِيقُ فَلَمَّا قَضَى الْكَلِمَاتِ خَلَّى سَبِيلَهُ فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى بَعْضِ الْأَشْجَارِ ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ لَوْ تَعْلَمُ مَا فَاتَكَ مِنِّي لَعَلِمْتَ أَنَّكَ قَدْ فَاتَكَ مِنِّي عَظِيمٌ جَسِيمٌ
[١]. في بعض النسخ« ما لا يرغب فيها مالا الا له».