كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ٦٠٣
لَمْ يَضِلَّ أَبَداً هِيَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ الَّذِي لَا يُخْلِقُهُ طُولُ التَّكْرَارِ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ انْجَلَى عَنْهُ الْعَمَى وَ مَنِ اعْتَصَمَ بِهِ فَازَ وَ اهْتَدَى وَ أَخَذَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ فَمَا بَالُ هَذِهِ الْحِكْمَةِ الَّتِي وَصَفْتَ بِمَا وَصَفْتَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الشَّرَفِ وَ الِارْتِفَاعِ وَ الْقُوَّةِ وَ الْمَنْفَعَةِ وَ الْكَمَالِ وَ الْبُرْهَانِ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ كُلُّهُمْ جَمِيعاً.
قَالَ الْحَكِيمُ إِنَّمَا مَثَلُ الْحِكْمَةِ كَمَثَلِ الشَّمْسِ الطَّالِعَةِ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ الْأَبْيَضِ وَ الْأَسْوَدِ مِنْهُمْ وَ الصَّغِيرِ وَ الْكَبِيرِ فَمَنْ أَرَادَ الِانْتِفَاعَ بِهَا لَمْ تَمْنَعْهُ وَ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهَا مِنْ أَقْرَبِهِمْ وَ أَبْعَدِهِمْ وَ مَنْ لَمْ يُرِدِ الِانْتِفَاعَ بِهَا فَلَا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهَا وَ لَا تَمْنَعُ الشَّمْسُ عَلَى النَّاسِ جَمِيعاً وَ لَا يَحُولُ بَيْنَ النَّاسِ وَ بَيْنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَ كَذَلِكَ الْحِكْمَةُ وَ حَالُهَا بَيْنَ النَّاسِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ الْحِكْمَةُ قَدْ عَمَّتِ النَّاسَ جَمِيعاً إِلَّا أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ فِي ذَلِكَ وَ الشَّمْسُ ظَاهِرَةٌ إِذْ طَلَعَتْ عَلَى الْأَبْصَارِ النَّاظِرَةِ فَرَّقَتْ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَنَازِلَ فَمِنْهُمُ الصَّحِيحُ الْبَصَرِ الَّذِي يَنْفَعُهُ الضَّوْءُ وَ يَقْوَى عَلَى النَّظَرِ وَ مِنْهُمُ الْأَعْمَى الْقَرِيبُ مِنَ الضَّوْءِ الَّذِي لَوْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ شَمْسٌ أَوْ شُمُوسٌ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ شَيْئاً وَ مِنْهُمُ الْمَرِيضُ الْبَصَرِ الَّذِي لَا يُعَدُّ فِي الْعُمْيَانِ وَ لَا فِي أَصْحَابِ الْبَصَرِ كَذَلِكَ الْحِكْمَةُ هِيَ شَمْسُ الْقُلُوبِ إِذَا طَلَعَتْ تَفَرَّقَ عَلَى ثَلَاثِ مَنَازِلَ مَنْزِلٍ لِأَهْلِ الْبَصَرِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ الْحِكْمَةَ فَيَكُونُونَ مِنْ أَهْلِهَا وَ يَعْمَلُونَ بِهَا وَ مَنْزِلٍ لِأَهْلِ الْعَمَى الَّذِينَ تَنْبُو الْحِكْمَةُ عَنْ قُلُوبِهِمْ لِإِنْكَارِهِمُ الْحِكْمَةَ وَ تَرْكِهِمْ قَبُولَهَا كَمَا يَنْبُو ضَوْءُ الشَّمْسِ عَنِ الْعُمْيَانِ وَ مَنْزِلٍ لِأَهْلِ مَرَضِ الْقُلُوبِ الَّذِينَ يَقْصُرُ عِلْمُهُمْ وَ يَضْعُفُ عَمَلُهُمْ وَ يَسْتَوِي فِيهِمُ السَّيِّئُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحَقُّ وَ الْبَاطِلُ وَ إِنَّ أَكْثَرَ مَنْ تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَ هِيَ الْحِكْمَةُ مِمَّنْ يَعْمَى عَنْهَا.
قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ فَهَلْ يَسَعُ الرَّجُلَ الْحِكْمَةُ فَلَا يُجِيبُ إِلَيْهَا حَتَّى يَلْبَثَ زَمَاناً نَاكِباً عَنْهَا ثُمَّ يُجِيبُ وَ يُرَاجِعُهَا قَالَ بِلَوْهَرُ نَعَمْ هَذَا أَكْثَرُ حَالاتِ النَّاسِ فِي الْحِكْمَةِ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ تَرَى وَالِدِي سَمِعَ شَيْئاً مِنْ هَذَا الْكَلَامِ قَطُّ قَالَ بِلَوْهَرُ لَا أَرَاهُ سَمِعَ سَمَاعاً صَحِيحاً رَسَخَ فِي قَلْبِهِ وَ لَا كَلَّمَهُ فِيهِ نَاصِحٌ شَفِيقٌ.
قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ وَ كَيْفَ تَرَكَ ذَلِكَ الْحُكَمَاءُ مِنْهُ طُولَ دَهْرِهِمْ قَالَ بِلَوْهَرُ تَرَكُوهُ