كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ٦٠٠
الْأَحْدَاثَ وَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ وَ يُضَيِّعُونَ الْعِلْمَ فَكَانَ الْعَالِمُ الْبَالِغُ الْمُسْتَبْصِرُ مِنْهُمْ يُخْفِي شَخْصَهُ وَ لَا يُظْهِرُ عِلْمَهُ فَيَعْرِفُونَهُ بِاسْمِهِ وَ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى مَكَانِهِ وَ لَا يَبْقَى مِنْهُمْ إِلَّا الْخَسِيسُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَخِفُّ بِهِ أَهْلُ الْجَهْلِ وَ الْبَاطِلِ فَيَخْمُلُ الْعِلْمُ وَ يَظْهَرُ الْجَهْلُ وَ يَتَنَاسَلُ الْقُرُونُ فَلَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الْجَهْلَ وَ الْبَاطِلَ وَ يَزْدَادُ الْجُهَّالُ اسْتِعْلَاءً وَ كَثْرَةً وَ الْعُلَمَاءُ خُمُولًا وَ قِلَّةً فَحَوَّلُوا مَعَالِمَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَنْ وُجُوهِهَا وَ تَرَكُوا قَصْدَ سَبِيلِهَا وَ هُمْ مَعَ ذَلِكَ مُقِرُّونَ بِتَنْزِيلِهِ مُتَّبِعُونَ شِبْهَهُ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ مُتَعَلِّقُونَ بِصِفَتِهِ تَارِكُونَ لِحَقِيقَتِهِ نَابِذُونَ لِأَحْكَامِهِ فَكُلُّ صِفَةٍ جَاءَتِ الرُّسُلُ تَدْعُوا إِلَيْهَا فَنَحْنُ لَهُمْ مُوَافِقُونَ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ مُخَالِفُونَ لَهُمْ فِي أَحْكَامِهِمْ وَ سِيرَتِهِمْ وَ لَسْنَا نُخَالِفُهُمْ فِي شَيْءٍ إِلَّا وَ لَنَا عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ الْوَاضِحَةُ وَ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ مِنْ نَعْتِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنْزَلَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَكُلُّ مُتَكَلِّمٍ مِنْهُمْ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحِكْمَةِ فَهِيَ لَنَا وَ هِيَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ تَشْهَدُ لَنَا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهَا تُوَافِقُ صِفَتَنَا وَ سِيرَتَنَا وَ حُكْمَنَا وَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِسُنَّتِهِمْ وَ أَعْمَالِهِمْ فَلَيْسُوا يَعْرِفُونَ مِنَ الْكِتَابِ إِلَّا وَصْفَهُ وَ لَا مِنَ الدِّينِ إِلَّا اسْمَهُ فَلَيْسُوا بِأَهْلِ الْكِتَابِ حَقِيقَةً حَتَّى يُقِيمُوهُ.
قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ فَمَا بَالُ الْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ ع يَأْتُونَ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ قَالَ الْحَكِيمُ إِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ مَوَاتٌ لَا عُمْرَانَ فِيهَا فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهَا بِعِمَارَتِهِ أَرْسَلَ إِلَيْهَا رَجُلًا جَلْداً أَمِيناً نَاصِحاً ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَعْمُرَ تِلْكَ الْأَرْضَ وَ أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا صُنُوفَ الشَّجَرِ وَ أَنْوَاعَ الزَّرْعِ ثُمَّ سَمَّى لَهُ الْمَلِكُ أَلْوَاناً مِنَ الْغَرْسِ مَعْلُومَةً وَ أَنْوَاعاً مِنَ الزَّرْعِ مَعْرُوفَةً ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ لَا يَعْدُوَ مَا سَمَّى لَهُ وَ أَنْ لَا يُحْدِثَ فِيهَا مِنْ قِبَلِهِ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ أَمَرَهُ بِهِ سَيِّدُهُ وَ أَمَرَهُ أَنْ يُخْرِجَ لَهَا نَهَراً وَ يَسُدَّ عَلَيْهَا حَائِطاً وَ يَمْنَعَهَا مِنْ أَنْ يُفْسِدَهَا مُفْسِدٌ فَجَاءَ الرَّسُولُ الَّذِي أَرْسَلَهُ الْمَلِكُ إِلَى تِلْكَ الْأَرْضِ فَأَحْيَاهَا بَعْدَ مَوْتِهَا وَ عَمَرَهَا بَعْدَ خَرَابِهَا وَ غَرَسَ فِيهَا وَ زَرَعَ مِنَ الصُّنُوفِ الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا ثُمَّ سَاقَ الْمَاءَ إِلَيْهَا حَتَّى نَبَتَ الْغَرْسُ وَ اتَّصَلَ الزَّرْعُ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ قَلِيلًا حَتَّى مَاتَ قَيِّمُهَا وَ أَقَامَ بَعْدَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِ خَلَفٌ خَالَفُوا مَنْ أَقَامَهُ الْقَيِّمُ بَعْدَهُ وَ غَلَبُوهُ عَلَى أَمْرِهِ فَأَخْرَبُوا الْعُمْرَانَ وَ طَمُّوا الْأَنْهَارَ-