كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ٥٨٥
ذَلِكَ وَ يَتَفَقَّدَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
وَ ازْدَادَ الْمَلِكُ عِنْدَ ذَلِكَ حَنَقاً عَلَى النُّسَّاكِ مَخَافَةً عَلَى ابْنِهِ.
وَ كَانَ لِذَلِكَ الْمَلِكُ وَزِيرٌ قَدْ كَفَلَ أَمْرَهُ وَ حَمَلَ عَنْهُ مَئُونَةَ سُلْطَانِهِ وَ كَانَ لَا يَخُونُهُ وَ لَا يَكْذِبُهُ وَ لَا يَكْتُمُهُ وَ لَا يُؤْثِرُ عَلَيْهِ وَ لَا يَتَوَانَى فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ وَ لَا يُضَيِّعُهُ وَ كَانَ الْوَزِيرُ مَعَ ذَلِكَ رَجُلًا لَطِيفاً طَلِقاً مَعْرُوفاً بِالْخَيْرِ يُحِبُّهُ النَّاسُ وَ يَرْضَوْنَ بِهِ إِلَّا أَنَّ أَحِبَّاءَ الْمَلِكِ وَ أَقْرِبَاءَهُ كَانُوا يَحْسُدُونَهُ وَ يَبْغُونَ عَلَيْهِ وَ يَسْتَقِلُّونَ بِمَكَانِهِ[١].
ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الصَّيْدِ وَ مَعَهُ ذَلِكَ الْوَزِيرُ فَأَتَى بِهِ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَصَابَتْهُ زَمَانَةٌ شَدِيدَةٌ فِي رِجْلَيْهِ مُلْقًى فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ بَرَاحاً[٢] فَسَأَلَهُ الْوَزِيرُ عَنْ شَأْنِهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ السِّبَاعَ أَصَابَتْهُ فَرَقَّ لَهُ الْوَزِيرُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ ضُمَّنِي إِلَيْكَ وَ احْمِلْنِي إِلَى مَنْزِلِكَ فَإِنَّكَ تَجِدُ عِنْدِي مَنْفَعَةً فَقَالَ الْوَزِيرُ إِنِّي لَفَاعِلٌ وَ إِنْ لَمْ أَجِدْ عِنْدَكَ مَنْفَعَةً وَ لَكِنْ يَا هَذَا مَا الْمَنْفَعَةُ الَّتِي تَعِدُنِيهَا هَلْ تَعْمَلُ عَمَلًا أَوْ تُحْسِنُ شَيْئاً فَقَالَ الرَّجُلُ نَعَمْ أَنَا أَرْتِقُ الْكَلَامَ[٣] فَقَالَ وَ كَيْفَ تَرْتِقُ الْكَلَامَ قَالَ إِذَا كَانَ فِيهِ فَتْقٌ أَرْتِقُهُ حَتَّى لَا يَجِيءَ مِنْ قِبَلِهِ فَسَادٌ فَلَمْ يَرَ الْوَزِيرُ قَوْلَهُ شَيْئاً وَ أَمَرَ بِحَمْلِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ وَ أَمَرَ لَهُ بِمَا يُصْلِحُهُ حَتَّى إِذْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ احْتَالَ أَحِبَّاءُ الْمَلِكِ لِلْوَزِيرِ وَ ضَرَبُوا لَهُ الْأُمُورَ ظَهْراً وَ بَطْناً فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ دَسُّوا رَجُلًا مِنْهُمْ إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ هَذَا الْوَزِيرَ يَطْمَعُ فِي مُلْكِكَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ مِنْ بَعْدِكَ فَهُوَ يُصَانِعُ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ وَ يَعْمَلُ عَلَيْهِ دَائِباً فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ صِدْقَ ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَكَ أَنْ تَرْفِضَ الْمُلْكَ وَ تَلْحَقَ بِالنُّسَّاكِ فَإِنَّكَ سَتَرَى مِنْ فَرَحِهِ بِذَلِكَ مَا تَعْرِفُ بِهِ أَمْرَهُ وَ كَانَ الْقَوْمُ قَدْ عَرَفُوا مِنَ الْوَزِيرِ رِقَّةً عِنْدَ ذِكْرِ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَ الْمَوْتِ وَ لِيناً لِلنُّسَّاكِ وَ حُبّاً لَهُمْ فَعَمِلُوا فِيهِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَظْفَرُونَ بِحَاجَتِهِمْ
[١]. في بعض النسخ« يستثقلون بمكانه».
[٢]. أي لا يستطيع تحولا.
[٣]. رتق الفتق: أصلحه. يقال: هو راتق أي مصلح الامر.