كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ٥٨٣
الْغَرِيبَةِ وَ إِذَا صِرْتَ إِلَى أَهْلِ طَاعَتِكَ وَ مَعُونَتِكَ وَ قَرَابَتِكَ وَجَدْتَ لَهُمْ قَوْماً يَعْمَلُونَ عَمَلًا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ يَحْرِصُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَنْقُصُوكَ مِنَ الْعَمَلِ فَيَزْدَادُوكَ مِنَ الْأَجْرِ وَ إِذَا صِرْتَ إِلَى أَهْلِ خَاصَّتِكَ وَ قَرَابَتِكَ صِرْتَ إِلَى قَوْمٍ جَعَلْتَ كَدَّكَ وَ كَدْحَكَ[١] وَ مُهَنَّأَكَ وَ كَسْبَكَ لَهُمْ فَأَنْتَ تُؤَدِّي إِلَيْهِمْ كُلَّ يَوْمٍ الضَّرِيبَةَ وَ لَيْسَ كُلُّهُمْ وَ إِنْ وَزَعْتَ بَيْنَهُمْ جَمِيعَ كَدِّكَ عَنْكَ بِرَاضٍ فَإِنْ أَنْتَ حَبَسْتَ عَنْهُمْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ الْبَتَّةَ رَاضٍ أَ فَلَا تَرَى أَنَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ وَحِيدٌ لَا أَهْلٌ لَكَ وَ لَا مَالٌ.
فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّ لِي أَهْلًا وَ مَالًا وَ إِخْوَاناً وَ أَخَوَاتٍ وَ أَوْلِيَاءَ لَا يَأْكُلُونِي وَ لَا يَأْكُلُونَ بِي يُحِبُّونِّي وَ أُحِبُّهُمْ فَلَا يُفْقَدُ الْحُبُّ بَيْنَنَا يَنْصَحُونِّي وَ أَنْصَحُهُمْ فَلَا غِشَّ بَيْنَنَا وَ يَصْدُقُونِّي وَ أَصْدُقُهُمْ فَلَا تَكَاذُبَ بَيْنَنَا وَ يُوَالُونِّي وَ أُوَالِيهِمْ فَلَا عَدَاوَةَ بَيْنَنَا يَنْصُرُونِّي وَ أَنْصُرُهُمْ فَلَا تَخَاذُلَ بَيْنَنَا يَطْلُبُونَ الْخَيْرَ الَّذِي إِنْ طَلَبْتُهُ مَعَهُمْ لَمْ يَخَافُوا أَنْ أَغْلِبَهُمْ عَلَيْهِ أَوْ أَسْتَأْثِرَ بِهِ دُونَهُمْ فَلَا فَسَادَ بَيْنَنَا وَ لَا تَحَاسُدَ يَعْمَلُونَ لِي وَ أَعْمَلُ لَهُمْ بِأُجُورٍ لَا تَنْفَدُ وَ لَا يَزَالُ الْعَمَلُ قَائِماً بَيْنَنَا هُمْ هُدَاتِي إِنْ ظَلَلْتُ وَ نُورُ بَصَرِي إِنْ عَمِيتُ وَ حِصْنِي إِنْ أُتِيتُ وَ مِجَنِّي إِنْ رُمِيتُ[٢] وَ أَعْوَانِي إِذَا فَزِعْتُ وَ قَدْ تَنَزَّهْنَا عَنِ الْبُيُوتِ وَ الْمَخَانِي[٣] فَلَا نُرِيدُهَا وَ تَرَكْنَا الذَّخَائِرَ وَ الْمَكَاسِبَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا فَلَا تَكَاثُرَ بَيْنَنَا وَ لَا تَبَاغِيَ وَ لَا تَبَاغُضَ وَ لَا تَفَاسُدَ وَ لَا تَحَاسُدَ وَ لَا تَقَاطُعَ فَهَؤُلَاءِ أَهْلِي أَيُّهَا الْمَلِكُ وَ إِخْوَانِي وَ أَقْرِبَائِي وَ أَحِبَّائِي أَحْبَبْتُهُمْ وَ انْقَطَعْتُ إِلَيْهِمْ وَ تَرَكْتُ الَّذِينَ كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ بِالْعَيْنِ الْمَسْحُورَةِ لَمَّا عَرَفْتُهُمْ وَ الْتَمَسْتُ السَّلَامَةَ مِنْهُمْ.
فَهَذِهِ الدُّنْيَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الَّتِي أَخْبَرْتُكَ أَنَّهَا لَا شَيْءَ فَهَذَا نَسَبُهَا وَ حَسَبُهَا وَ مَصِيرُهَا إِلَى مَا قَدْ سَمِعْتَ وَ قَدْ رَفَضْتُهَا لِمَا عَرَفْتُهَا وَ أَبْصَرْتُ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ الشَّيْءُ فَإِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنْ أَصِفَ لَكَ مَا أَعْرِفُ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ الشَّيْءُ فَاسْتَعِدَّ إِلَى السَّمَاعِ تَسْمَعُ غَيْرَ مَا كُنْتَ تَسْمَعُ بِهِ الْأَشْيَاءَ.
[١]. الكد: السعى و الجد. و الكدح في العمل: المجاهدة فيه.
[٢]. المجن: الترس و كل ما وقى من السلاح.
[٣]. لعله جمع خان و هو الحانوت و الفندق. و في بعض النسخ« المخابى».