الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠ - نقدُ الأقوال
و أمّا لفظ الخير فهو و ان يطلق كثيراً ما على المستحبات، إلّا أنّ استعماله في الواجبات أيضاً ليس بقليل كقوله تعالى: (وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) ( [١]) و قوله عز شأنه: (فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ) ( [٢])، كما انّه قد يستعمل في الأعم منهما كقوله سبحانه: (وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ*) ( [٣]).
و الشاهد على ما ذكرناه ما رواه عبد الله بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): من وعده الله على عمل ثواباً فهو منجّزة له و من أوعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار. ( [٤])
إذ لا ينبغي الريب في أنّ الثواب في هذه الرواية لا يختص بالعمل المندوب بقرينة ذيلها، فكأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قسّم الأعمال كلّها على قسمين: قسم يثاب على إتيانه و امتثاله و هو الواجب و المندوب و قسم يعاقب على فعله و هو الحرام، و الظاهر ان ترك المكروه من القسم الأوّل إذ لا عقاب في فعله، و من هنا سيأتي في تنبيهات المسألة إلحاق الكراهة بالاستحباب في التسامح في دليلها. و بالجملة فهذه الأخبار لا تختص بالمستحبات فضلًا عن دلالتها على إلغاء شرائط الخبر فيها.
و ممّا ذكرناه يظهر النظر في كلام المحقّق النائيني (قدس سره) فانّه قال بعد فرض دلالة الأخبار على ذلك: «و حينئذ فتقع المعارضة بينها و بين ما دل على اشتراط العدالة و الوثوق مثلًا في حجية الخبر و لكنّه مع ذلك لا بد من تقديم هذه الأخبار و رفع اليد عن دليل الاشتراط في مواردها، أمّا ما كان من أدلّة الاشتراط من قبيل قوله تعالى: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) أو غيره المفيد لاشتراط العدالة مطلقاً، فوجه تقديمها عليه واضح، فانّ هذه الأخبار أخص من تلك الأدلة فيقدّم عليها
[١] البقرة: ١٨٤.
[٢] التوبة: ٣.
[٣] البقرة: ١١٠.
[٤] الوسائل: ج ١، أبواب مقدمة العبادات، الباب ١٨، ح ٥.