الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤ - الدّليل الثّاني حكم العقل
الدّليل الثّاني: حكم العقل:
بتقريب انّه لا ريب في أنّ الآتي بالعمل المشكوك كونه مستحباً، قاطع بعدم الضرر في هذا الإتيان، لدورانه بين كونه مباحاً أو مستحباً بخلاف تركه لانّا نحتمل حينئذ ترك ما هو مطلوب في نفس الأمر و لا شبهة في أنّ العقل يرجح حينئذ إتيان الفعل.
و لذا نرى انّ العبيد اذا احتملوا كون شيء مطلوباً للمولى و علموا عدم ترتب ضرر و نقص على الإتيان به يقدمون عليه لهذا الاحتمال و يستحقون المدح من العقلاء و ان لم يكن ذلك الشيء مطلوباً في نفس الأمر.
فإذا ثبت الرجحان عند العقل فهو كاف في الحكم بالندب، غاية ما في الباب انّ ذلك ليس إثباتاً لاستحباب المشكوك من حيث الخصوصية بل إثبات لرجحان فعله من جهة أنّه محتمل المطلوبية. ( [١])
أقول: ضعف هذا الوجه واضح جداً لأنّ المكلّف إمّا أن يأتي بالعمل المشكوك استحبابه بما انّه حكم من الأحكام الشرعية و يعامل معه معاملة المستحبات الواقعية، و إمّا أن يأتي به لاحتمال كون فعله مطلوباً للشارع و محبوباً عنده و لرجاء إدراك الواقع.
أمّا الأوّل: فلا شك في أنّه إمّا تشريع- إن كان التشريع بمعنى إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين فيه، لا خصوص إدخال ما علم أنّه ليس منه فيه- و إمّا قول بغير علم و اسناد شيء إلى الشارع كذلك، و لا كلام في حرمة كليهما و يأتي مزيد توضيح لذلك.
و أمّا على الثاني، فالعمل معنون بعنوان الاحتياط و الانقياد، و هو و ان كان أمراً مطلوباً، يشهد به العقل و النقل، إلّا أنّه غير الحكم بالاستحباب ( [٢]) كما لا يخفى و يأتي في تنبيهات المسألة بيان الفرق بين قاعدة التسامح و قاعدة الاحتياط.
[١] عناوين الأُصول: ١٣٤، بتصرف منّا في العبارة.
[٢] لو أراد إثبات الاستحباب، و إلّا فالاستدلال متين.