تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٣٩ - ٩٧٣٤ بحيرى الراهب
في ظلّها ، ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرى يسأله عن شيء ، فقال له : من الرجل الذي في ظلّ السّدرة؟ فقال له : ذلك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، فقال : هذا والله نبي ، ما استظلّ تحتها بعد عيسى بن مريم إلّا محمد. ووقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق ، فلما نبّئ النبي ٦ اتّبعه [١].
حدث أبو داود سليمان بن موسى [٢] :
أن أبا طالب عمّ رسول الله ٦ خرج به إلى الشام ، فلما مروا بقرية يقال لها : ميفعة من أرض البلقاء ، وفيها راهب يقال له : بحيرى ، فخرج إليهم بحيرى ، وكانوا قبل ذلك يقدمون فلا يخرج إليهم ولا يلتفت ، فجعل يتخلّلهم [٣] حتى انتهى إلى رسول الله ٦ فقال : هذا سيّد العالمين ، هذا رسول ربّ العالمين ، هذا الذي بعثه الله رحمة للعالمين. فقال شيوخ من قدم معه من قريش : وما علمك؟ قال : علمي أنكم لما أشرفتم من العقبة لم يبق شجرة ولا حجر إلّا خرّ ساجدا ولا يسجد [٤] إلّا لنبي ، وأعرفه بالصّفة وبخاتم النبوة مثل التفاحة أسفل من غضروف كتفه ، ثم انطلق بحيرى فأتاهم بطعام [٥] ، والنبي ٦ في رعيه إبل أصحابه ، فقال : أرسلوا إليه ، فأرسلوا إليه ، فقال بحيرى : انظروا عليه غمامة تظله! فانتهى إليهم وقد علموه على الشجرة فيء الشجرة ، فجلس رسول الله ٦ ومال إليه فيء الشجرة ، فقال : انظروا إلى فيء الشجرة كيف مال إليه! فبيناهم يأكلون وهو قائم عليهم ؛ إذ هو بفوارس [٦] من الروم مقبلين ، فلما رآهم بحيرى استقبلهم ، فقال : ما جاء بكم؟ فقالوا : جئنا لأنه بلغنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر ، فلم يبق طريق من طرق الروم إلّا وقد بعث عليه قوم وبعثنا إلى هذه الطريق. فقال : ما وراءكم أفضل لكم ، قال : أرأيتم أمرا أراد الله أن يمضيه يستطيع أحد ردّه؟
[١] رواه ابن الأثير في أسد الغابة ١ / ١٩٩ عن ابن عباس. وقال ابن الأثير : أخرجه ابن منده وأبو نعيم. ورواه ابن حجر في الإصابة ١ / ٢١٠ (ط دار الفكر) والسيوطي في الخصائص ١ / ١٤٥ ـ ١٤٦.
وعقب ابن حجر بقوله : فهذا إن صح يحتمل أن يكون في سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب.
[٢] رواه البيهقي في دلائل النبوة ٢ / ٢٤ بسنده إلى أبي موسى الأشعري. وأبو نعيم في دلائل النبوة ص ١٧٠ رقم ١٠٩.
[٣] تخللهم : دخل بينهم. (تاج العروس : خلل).
[٤] كذا ، وفي دلائل البيهقي : يسجدان.
[٥] في دلائل البيهقي وأبي نعيم : ثم رجع فصنع لهم طعاما ، فلما أتاهم به.
[٦] في دلائل أبي نعيم : فإذا هو بسبعة نفر ، وفي دلائل البيهقي : بتسعة نفر.