تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١١١ - ٩٦٢١ أحمد بن أبي دؤاد القاضي
في ذلك فوق ما قدرته عندي ، فجمع المأمون بين أحمد بن أبي دؤاد وبين المعتصم وقال : قد اخترت لك هذا الرجل ، فضمّه إليك ، فأخذه المعتصم. فلما بلغوا الأنبار وافت كتب البريد بموافاة المعتصم للأنبار ، فقال المأمون ليحيى : ترى ما كان من بغداد إلى الأنبار خبر يكتب به صاحبك إليك؟ فقال يحيى : لعله يا أمير المؤمنين لم يحدث خبر تجب المكاتبة به. وكتب يحيى إلى أحمد يعنّفه ويخبره إنكار أمير المؤمنين تأخّر كتبه ، فوقف أحمد على الكتاب واحتفظ به ولم يجب عنه ، وشخص المعتصم حتى وافى الرحبة [١] ، ولم يكتب أحمد بحرف واحد من أخبار المعتصم ، وكتب أصحاب البريد بموافاة المعتصم للرحبة وأخبار عسكره ، فتضاعف إنكار المأمون على يحيى ، وكتب يحيى إلى أحمد وأغلظ له المخاطبة وأسمعه المكروه ، فورد الكتاب على أحمد فقرأه واحتفظ به.
وسار المعتصم من الرحبة حتى وافى الرقة [٢] فتضاعف إنكار المأمون على يحيى وقال له : يا سخين العين [٣] ، هذا مقدار رأيك وعقلك اللئيم إلّا أن تكون غررتني متعمدا. فكتب إلى أحمد كتابا يشتمل على إيعاد ، وإرهاب ، وتحذير ، وتخويف ، وخاطبه بأفحش مخاطبة ؛ فورد الكتاب على أحمد فقرأه واحتفظ به.
وأمر المأمون عمرو بن مسعدة [٤] أن يكتب إلى المعتصم يأمره بالبعثة بأحمد بن أبي دؤاد مشدودة يده إلى عنقه مثقلا بالحديد محمولا على غير وطاء [٥] ، فورد الكتاب على المعتصم.
ودخل أحمد بن أبي دؤاد إليه وهم بالرّقّة ما جاوزوها ، فرأى المعتصم كئيبا ، مغموما ، فقال : أيها الأمير ، أراك مفكرا ، وأرى لونك حائلا. فقال : نعم ، الكتاب ورد عليّ من أجلك ، ونبذ إليه بالكتاب ، فقرأه أحمد ، فقال له المعتصم : تعرف لك ذنبا يوجب ما كتب به
[١] الرحبة : يعني رحبة مالك بن طوق بينها وبين بغداد مائة فرسخ ، وإلى الرقة نيف وعشرون فرسخا ، وهي بين الرقة وبغداد (معجم البلدان).
[٢] الرقة : بفتح أوله وثانية وتشديده ، مدينة مشهورة على الفرات.
[٣] سخين العين : سخنة العين نقيض قرّتها ، وقد سخنت سخنا وسخونا وسخنة ، فهو سخين العين ، وأسخن الله عينه وبعينه أي أبكاه ، نقيض أقرّ الله عينه. (تاج العروس : سخن).
[٤] هو عمرو بن مسعدة بن سعد بن صول ، أبو الفضل ، كان فصيحا قوي المواد في الإنشاء ، عمل وزارة المأمون ، وله نظم جيد ، انظر ترجمته في تاريخ بغداد ١٢ / ٢٠٣.
[٥] الوطاء : الوطيء من كل شيء ما سهل ولان ، وفراش وطئ لا يؤذي جنب النائم. تاج العروس : وطأ.