تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٧٩ - ٩٥٩٥ أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد أبو الطّيّب الجعفي الشاعر المعروف بالمتنبي
فاتفق مجيء المتنبي بعد سنين إلى الأهواز منصرفا من فارس [فذكرته [١] بأبي الحسن [٢] ، فقال : تربي وصديقي وجاري بالكوفة وأطراه ووصفه] وسألته عن نسبه ، فما اعترف لي به. وقال : أنا رجل أخيط [٣] القبائل ، وأطوي البوادي وحدي ، ومتى انتسبت لم آمن أن يأخذني بعض العرب بطائلة بينها وبين القبيلة التي انتسبت إليها ، وما دمت غير منتسب إلى أحد فأنا أسلم على جميعهم ويخافون لساني.
قال [٤] : واجتمعت بعد موت المتنبي بسنين مع القاضي أبي الحسن ابن أم شيبان الهاشمي الكوفي ، وجرى ذكر المتنبي فقال : كنت أعرف أباه بالكوفة شيخا يسمى عيدان يستقي على بعير له ، وكان جعفيا صحيح النسب.
قال : وقد كان المتنبي لما خرج إلى كلب وأقام فيهم ادّعى أنه علوي حسنيّ ، ثم ادّعى بعد ذلك النبوّة ، ثم عاد يدّعي أنه علوي ، إلى أن أشهد [٥] عليه بالشام بالكذب في الدعوتين ، وحبس دهرا طويلا وأشرف على القتل ، ثم استتيب وأشهد عليه بالتوبة وأطلق.
قال أبو علي بن أبي حامد [٦] :
سمعت خلقا بحلب يحكون ـ وأبو الطّيّب بها إذ ذاك ـ أنه تنبّأ في بادية السماوة [٧] ونواحيها إلى أن خرج إليه لؤلؤ أمير حمص من قبل الإخشيدية ، فقاتله وأسره وشرّد من كان اجتمع إليه من كلب وكلاب وغيرهما من قبائل العرب ، وحبسه دهرا طويلا فاعتلّ وكاد أن يتلف ، فسئل في أمره فاستتابه وكتب عليه وثيقة أشهد عليه فيها ببطلان ما ادّعاه ورجوعه إلى
[١] ما بين معكوفتين زيادة استدركت عن تاريخ بغداد.
[٢] يعني أبا الحسن محمد بن يحيى العلوي الزيدي.
[٣] كذا في مختصر ابن منظور ، وفي تاريخ بغداد : أحيط.
وفي بغية الطلب : «أخبط» وخاط إذا مرّ مرة. واحدة أو سريعة. ويقال : ما آتيك إلّا الخيطة أي الفينة.
وفي الأساس : خاط فلان خيطة إذا امتدّ في السير لا يلوي على شيء ، وكذلك خاط إلى مقصده (تاج العروس : خيط) طبعة دار الفكر ـ.
[٤] القائل : المحسن التنوخي ، والد علي ، والخبر في تاريخ بغداد ٤ / ١٠٣ وبغية الطلب ٢ / ٦٤٣ ـ ٦٤٤.
[٥] في مختصر ابن منظور : شهد ، والمثبت عن تاريخ بغداد.
[٦] من طريقه رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ٤ / ١٠٤ وانظر الوافي بالوفيات ٦ / ٣٣٦.
[٧] السماوة : بفتح أوله ، وبعد الألف واو ، ماءة بالبادية ، وبادية السماوة بين الكوفة والشام قفرى. (معجم البلدان : السماوة ٣ / ٢٤٥).