تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٥٣ - ٩٧٣٦ بختنصّر بن بيت بن جوذرز
فكيف لا تقدر أنت في مثل خطرك وعظم ما أوتيت من الملك على أن تتخذ إلها ، فيخبرك بحاجتك ويكفيك ما أهمّك ، وتستغني به عن الناس ، ونحن لك على ذلك مؤازرون؟ قال بخت نصّر : فأنتم وذاك. قالوا : فأعطنا الطاعة والسلطان حتى نفرغ مما تريد ، ففعل بهم ذلك ، فعلموا صنما طوله في السماء سبعون ذرعا وعرضه عشرون ذراعا من الألواح ثم دسروه [١] بالحديد والمسامير ، وألبسوه الذهب ، وكلّلوه بالياقوت وألوان الجوهر ، ثم صنعوا له عيدا عظيما ، وذبحوا له الذبائح ، وواعدوا الناس لذلك اليوم يجتمعون فيه ، فيعبدون ذلك الصنم ويسجدون له ، واتخذوا أخدودا في الأرض ، فأوقدوا فيها نارا عظيمة ، وهم أصحاب الأخدود ، وكانت الأخدود باليمن وببابل ، فأما الذي كان باليمن فاتخذه يوسف ذو نواس الحميري [٢] ، وهو الذي ملك حمير ، وكان صاحب عنفصير [٣] ، وهو الذي قتل الناس وأحرقهم بالنار ليدعوا الإسلام [٤].
وكانت الأخدود الأخرى ببابل اتخذها بخت نصر ، فلما اجتمع الناس يوم عيدهم ، أمروهم بالسجود لذلك الصنم فسجدوا ، فمن أبي حرّقوه في تلك الأخدود ، وكان بخت نصّر سبى من إيلياء سبعين ألف غلام ، فقسمهم في ملوك بابل ، ما خلا دانيال وميشائيل وميخائيل وعيصو ومرنيوس [٥] فأقاموا بذلك زمانا يستخدمونهم حتى أدرك الوصفاء ، فأنكر أهل بابل شأنهم ، فقالوا لبخت نصّر : إنا أنكرنا شأننا منذ أدرك عبيدنا ، فإنا نحب أن تنفيهم منا فتخرجهم عنا ، أو تأذن لنا فنقتلهم. فقال لهم : أنتم وذاك. قال : فقتلوهم جميعا ، وبقي هؤلاء العدّة التي في يدي الملك [٦] ، فكانوا يدعون الله ويقولون : يا رب قد عذبت آباءنا
[١] دسر : يقال دسرت المسمار أدسره دسرا ، وكل ما سمّر فقد دسر ، والدسر إصلاح السفينة بالدسار ، اسم للمسمار (تاج العروس : دسر).
[٢] ذو نواس الحميري كان يهوديا ، وقد ملك اليمن ، وكان أهل نجران على دين عبد الله بن التامر ، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه ، وقد سار إليهم ذو نواس بجنده فدعاهم وجمعهم ودعاهم إلى اليهودية فخيّرهم بين القتل أو الدخول فيها ، فاختاروا القتل ، فخدّ لهم الأخدود ، فحرّق بالنار وقتل بالسيف ، ومثل بهم كل مثلة ، حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا.
راجع أخباره في تاريخ الطبري ١ / ٤٣٥ ـ ٤٣٦.
[٣] كذا في مختصر ابن منظور ، ولم أحله.
[٤] كذا.
[٥] كذا ورد هنا في مختصر ابن منظور ، وتقدم قريبا : «حرسوس» وكلاهما لم نقف عليه.
[٦] سماهم الطبري في تاريخه ١ / ٣٢٤ دانيال وحنانيا وعزاريا وميشايل.