إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٤٢٢ - ١٩١ و من خطبة له عليه السلام في وصف المتّقين
[١٩١]
و من خطبة له عليه السلام
في وصف المتّقين
رُوِيَ أَنَّ صَاحِباً لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ كَانَ رَجُلاً عَابِداً، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، صِفْ لِيَ اَلْمُتَّقِينَ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ. فَتَثَاقَلَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ عَنْ جَوَابِهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا هَمَّامُ اِتَّقِ اَللَّهَ وَ أَحْسِنْ فَإِنَّ اَللّهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ»، فَلَمْ يَقْنَعْ هَمَّامٌ بِهَذَا اَلْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ[١] عَلَيْهِ، فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، وَ صَلَّى عَلَى اَلنَّبِيِّ صلى الله عليه و آله ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى خَلَقَ اَلْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لِأَنَّهُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَ لاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ. فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، وَ وَضَعَهُمْ مِنَ اَلدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ.
فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ اَلْفَضَائِلِ: مَنْطِقُهُمُ اَلصَّوَابُ، وَ مَلْبَسُهُمُ اَلاِقْتِصَادُ[٢]، وَ مَشْيُهُمُ اَلتَّوَاضُعُ. غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى اَلْعِلْمِ اَلنَّافِعِ لَهُمْ. نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي اَلْبَلاَءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي اَلرَّخَاءِ. وَ لَوْ لاَ اَلْأَجَلُ اَلَّذِي كَتَبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ، شَوْقاً إِلَى اَلثَّوَابِ، وَ خَوْفاً مِنَ اَلْعِقَابِ. عَظُمَ اَلْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ[٣] مَا
[١] عَزَمَ: عزم على الأمر يعزم من باب ضرب، عزماً و معزماً و عزماناً و عزيماً و عزيمة و عزمة: أراد فعله و قطع عليه أو جدّ فيه فهو عازم و عزم الأمر نفسه عزم عليه، و عزم على الرّجل: أقسم.
[٢] الاقْتِصَادُ: ضدّ الإفراط.
[٣] صَغُرَ: من باب شرف و فرح، صغارة و صغراً و صغراً و صغراناً، أي: حقر و انحطّ قدره فهو صغير، كحقير لفظاً و معناً.