إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢٢٧ - فضل الوحي
رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ[١]. وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ صلى الله عليه و آله بِالْقَرَابَةِ اَلْقَرِيبَةِ، وَ اَلْمَنْزِلَةِ اَلْخَصِيصَةِ. وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَ أَنَا وَلَدٌ[٢] يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَ يَكْنُفُنِي[٣] فِي فِرَاشِهِ، وَ يُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَ يُشِمُّنِي عَرْفَهُ[٤]. وَ كَانَ يَمْضَغُ اَلشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَ مَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ، وَ لاَ خَطْلَةً[٥] فِي فِعْلٍ. وَ لَقَدْ قَرَنَ اَللَّهُ بِهِ صلى الله عليه و آله مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ اَلْمَكَارِمِ، وَ مَحَاسِنَ أَخْلاَقِ اَلْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ. وَ لَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اِتِّبَاعَ اَلْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَماً، وَ يَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ. وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ[٦] فَأَرَاهُ، وَ لاَ يَرَاهُ غَيْرِي. وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي اَلْإِسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اَللَّهِ صلى الله عليه و آله وَ خَدِيجَةَ وَ أَنَا ثَالِثُهُمَا. أَرَى نُورَ اَلْوَحْيِ وَ اَلرِّسَالَةِ، وَ أَشُمُّ رِيحَ اَلنُّبُوَّةِ.
وَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ[٧]اَلشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ اَلْوَحْيُ عَلَيْهِ صلى الله عليه و آله فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ مَا هَذِهِ اَلرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: «هَذَا اَلشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ. إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَ تَرَى مَا أَرَى، إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، وَ لَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَ إِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ».
وَ لَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ صلى الله عليه و آله لَمَّا أَتَاهُ اَلْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ قَدِ اِدَّعَيْتَ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ وَ لاَ أَحَدٌ مِنْ بَيْتِكَ، وَ نَحْنُ نَسْأَلُكَ أَمْراً إِنْ
[١] رَبيعَةَ وَ مُضَرَ: وزان صُرد: قبيلتان من قريش معروفتان يضرب لهما المثل في الكثرة نسبتهما إلى أبويهما و هما ربيعة و مضر ابنا نزار بن معدّ بن عدنان، و يقال للأوّل: ربيعة الفرس، و للثاني: مضر الحمراء، بالإضافة لأنّ ربيعة أعطي الخيل من ميراث أبيه و مضر أعطي الذّهب.
[٢] الوَلَدُ: الوليد الصّبي و المولود.
[٣] يَكْنُفُنِي: أي: يجعلني في كنفه، و الكنف محرّكة الحرز و الجانب و السّتر، و كنف الطائر: جناحه.
[٤] العَرْفَ: وزان فلس الرائحة و أكثر استعماله في الطيبة.
[٥] الخَطْلَةَ: بالفتح المرّة من الخطل محرّكة: و هو الخفّة و السرعة و الكلام الفاسد الكثير فهو خطل ككتف، أي: أحمق عجل.
[٦] حِرَاءَ: بالكسر و المدّ وزان كتاب: جبل بمكّة فيه غار كان النّبيّ يعتزل إليه و يتعبّد أيّاماً، يذكّر و يؤنث.
[٧] الرَنَّةَ: الصوت، رنَّ يرنُّ رنيناً: صاح، و رنَّ إليه: أصغى.