إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢٢٣ - الاعتبار بالأمم
وَ لاَ سَبِيلاً إِلَى دِفَاعٍ. حَتَّى إِذَا رَأَى اَللَّهُ سُبْحَانَهُ جِدَّ اَلصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى اَلْأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ، وَ اَلاِحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوهِ، مِنْ خَوْفِهِ، جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايِقِ اَلْبَلاَءِ فَرَجاً، فَأَبْدَلَهُمُ اَلْعِزَّ مَكَانَ اَلذُّلِّ، وَ اَلْأَمْنَ مَكَانَ اَلْخَوْفِ، فَصَارُوا مُلُوكاً حُكَّاماً، وَ أَئِمَّةً أَعْلاَماً، وَ قَدْ بَلَغَتِ اَلْكَرَامَةُ مِنَ اَللَّهِ لَهُمْ مَا لَمْ تَذْهَبِ اَلْآمَالُ إِلَيْهِ بِهِمْ.
فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ اَلْأَمْلاَءُ[١] مُجْتَمِعَةً، وَ اَلْأَهْوَاءُ مُؤْتَلِفَةً، وَ اَلْقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً، وَ اَلْأَيْدِي مُتَرَادِفَةً، وَ اَلسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةً، وَ اَلْبَصَائِرُ نَافِذَةً، وَ اَلْعَزَائِمُ وَاحِدَةً. أَ لَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ اَلْأَرَضِينَ، وَ مُلُوكاً عَلَى رِقَابِ اَلْعَالَمِينَ! فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ، حِينَ وَقَعَتِ اَلْفُرْقَةُ، وَ تَشَتَّتَتِ اَلْأُلْفَةُ وَ اِخْتَلَفَتِ اَلْكَلِمَةُ وَ اَلْأَفْئِدَةُ، وَ تَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِينَ، وَ تَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ، قَدْ خَلَعَ اَللَّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ، وَ سَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ، وَ بَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ[٢] فِيكُمْ عِبَراً لِلْمُعْتَبِرِينَ.
فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَ بَنِي إِسْحَاقَ وَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عليهم السلام. فَمَا أَشَدَّ اِعْتِدَالَ اَلْأَحْوَالِ، وَ أَقْرَبَ اِشْتِبَاهَ اَلْأَمْثَالِ.
تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وَ تَفَرُّقِهِمْ، لَيَالِيَ كَانَتِ اَلْأَكَاسِرَةُ[٣]وَ اَلْقَيَاصِرَةُ[٤] أَرْبَاباً لَهُمْ، يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ[٥] اَلْآفَاقِ، وَ بَحْرِ اَلْعِرَاقِ
[١] الأمْلاءُ: جمع الملاء، و هو الجماعة.
[٢] قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ: في بعض النسخ بكسر القاف جمع قصّة، و في بعضها بالفتح كصدر من قصصت الخبر قصاً حدّثت به على وجهه، و الأوّل أولى.
[٣] الأكَاسِرَةُ: جمع كسرى بالكسر و الفتح: لقب من ملك الفرس معرّب خسرو، أي: واسع الملك، و يجمع على كياسرة و أكاسر أيضاً، و كلّها خلاف القياس و القياس كسرون وزان عيسون.
[٤] الْقَيَاصِرَةُ: جمع قيصر، لقب من ملك الرّوم.
[٥] الرِّيفِ: بالكسر أرض فيها زرع و خصب، و ما قارب الماء من أرض العرب، أو حيث يكون به الخضر و المياه و الزّروع.