إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢١٦ - العبرة بالماضين
مَرَضَهُمْ، وَ أَدْخَلْتُمْ فِي حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ، وَ هُمْ أَسَاسُ اَلْفُسُوقِ، وَ أَحْلاَسُ[١] اَلْعُقُوقِ. ِتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلاَلٍ، وَ جُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى اَلنَّاسِ، وَ تَرَاجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، اِسْتِرَاقاً[٢] لِعُقُولِكُمْ وَ دُخُولاً فِي عُيُونِكُمْ وَ نَفْثاً فِي أَسْمَاعِكُمْ[٣]. فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ، وَ مَوْطِئَ قَدَمِهِ وَ مَأْخَذَ يَدِهِ.
فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ اَلْأُمَمَ اَلْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اَللَّهِ وَ صَوْلاَتِهِ، وَ وَقَائِعِهِ[٤] وَ مَثُلاَتِهِ، وَ اِتَّعِظُوا بِمَثَاوِي[٥] خُدُودِهِمْ، وَ مَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ، وَ اِسْتَعِيذُوا، بِاللَّهِ مِنْ لَوَاقِحِ اَلْكِبْرِ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ اَلدَّهْرِ.
فَلَوْ رَخَّصَ اَللَّهُ فِي اَلْكِبْرِ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ وَ أَوْلِيَائِهِ. وَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ اَلتَّكَابُرَ، وَ رَضِيَ لَهُمُ اَلتَّوَاضُعَ، فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ، وَ عَفَّرُوا[٦]فِي اَلتُّرَابِ وُجُوهَهُمْ، وَ خَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَ كَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ. قَدِ اِخْتَبَرَهُمُ اَللَّهُ بِالْمَخْمَصَةِ، وَ اِبْتَلاَهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ. وَ اِمْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ، وَ مَخَضَهُمْ[٧] بِالْمَكَارِهِ. فَلاَ تَعْتَبِرُوا اَلرِّضَى وَ اَلسُّخْطَ بِالْمَالِ وَ اَلْوَلَدِ جَهْلاً بِمَوَاقِعِ اَلْفِتْنَةِ، وَ اَلاِخْتِبَارِ فِي مَوْضِعِ اَلْغِنَى وَ اَلاِقْتِدَارِ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى: (أَ يَحْسَبُونَ أَنَّمٰا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مٰالٍ وَ بَنِينَ نُسٰارِعُ لَهُمْ فِي اَلْخَيْرٰاتِ بَلْ لاٰ يَشْعُرُونَ)[المؤمنون ٥٥] فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ اَلْمُسْتَكْبِرِينَ
[١] أَحْلاسُ: جمع حلس بالكسر: و هو كساء رقيق يكون على ظهر البعير ملازماً له، فقيل لكلّ ملازم أمر: هو حلس له، هكذا قال الشارح المعتزلي و الجزري.
[٢] اسْتِرَاقاً: السمع مجاز، و استرق السمع: استمعه مختفياً، و استرق الشيء و تسرّقه: سرقه شيئاً فشيئاً.
[٣] نَفْثاً فِي أَسْمَاعِكُمْ: و يروى نثاً في أسماعكم من نفث الحديث: أفشاه.
[٤] وَقَائِعِهِ: بالقوم وقيعة و أوقعت بهم قتلت و أثخنت.
[٥] مَثَاوِي: جمع المثوى، من ثوى بالمكان: نزل فيه.
[٦] عَفَّرُوا: عَفَرَ وجهه: ألصقه بالعفر و هو وجه الأرض أو التراب، و عفّرت بالتثقيل مبالغة.
[٧] مَخَضَهُمْ: مخض السقاء مخضاً: حرّكه شديداً ليخرج زبد اللّبن الذي فيه، و يروى: و محصّهم بالحاء و الصاد المهملتين من التمحيص و هو التطهير.