إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢١٤ - التحذير من الكبر
وَ لَهُ جِدَّكُمْ، فَلَعَمْرُ اَللَّهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ، وَ وَقَعَ فِي حَسَبِكُمْ، وَ دَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ، وَ أَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْ، وَ قَصَدَ بِرَجِلِهِ سَبِيلَكُمْ، يَقْتَنِصُونَكُمْ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَ يَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلَّ بَنَانٍ. لاَ تَمْتَنِعُونَ بِحِيلَةٍ، وَ لاَ تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَةٍ، فِي حَوْمَةِ[١] ذُلٍّ. وَ حَلْقَةِ ضِيقٍ. وَ عَرْصَةِ مَوْتٍ وَ جَوْلَةِ بَلاَءٍ.
فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ اَلْعَصَبِيَّةِ وَ أَحْقَادِ اَلْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّمَا تِلْكَ اَلْحَمِيَّةُ تَكُونُ فِي اَلْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ اَلشَّيْطَانِ وَ نَخَوَاتِهِ، وَ نَزَغَاتِهِ[٢] وَ نَفَثَاتِهِ. وَ اِعْتَمِدُوا وَضْعَ اَلتَّذَلُّلِ عَلَى رُءُوسِكُمْ، وَ إِلْقَاءَ اَلتَّعَزُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، وَ خَلْعَ اَلتَّكَبُّرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ؛ وَ اِتَّخِذُوا اَلتَّوَاضُعَ مَسْلَحَةً[٣] بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ عَدُوِّكُمْ إِبْلِيسَ وَ جُنُودِهِ؛ فَإِنَّ لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جُنُوداً وَ أَعْوَاناً، وَ رَجِلاً وَ فُرْسَاناً، وَ لاَ تَكُونُوا كَالْمُتَكَبِّرِ عَلَى اِبْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اَللَّهُ فِيهِ سِوَى مَا أَلْحَقَتِ اَلْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ اَلْحَسَدِ، وَ قَدَحَتِ اَلْحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ اَلْغَضَبِ، وَ نَفَخَ اَلشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِنْ رِيحِ اَلْكِبْرِ اَلَّذِي أَعْقَبَهُ اَللَّهُ بِهِ اَلنَّدَامَةَ، وَ أَلْزَمَهُ آثَامَ اَلْقَاتِلِينَ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ.
أَلَا وَ قَدْ أَمْعَنْتُمْ[٤] فِي اَلْبَغْيِ، وَ أَفْسَدْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ، مُصَارَحَةً[٥] لِلَّهِ بِالْمُنَاصَبَةِ، وَ مُبَارَزَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْمُحَارَبَةِ. فَاللَّهَ اَللَّهَ فِي كِبْرِ اَلْحَمِيَّةِ[٦]وَ فَخْرِ اَلْجَاهِلِيَّةِ! فَإِنَّهُ
[١] الحَوْمَةِ: معظم الماء و الحرب و غيرهما.
[٢] نَزَغَاتِهِ: النزغ: الإفساد.
[٣] المَسْلَحَة: بفتح الميم قال في النهاية: القوم الذين يحفظون الثغر من العدوّ يكونون ذوي سلاح، أو لأنّهم يسكنون المسلحة، و هي كالثغر و المرقب يرقبون العدوّ لئلاّ يطرقهم على غفلة، انتهى. و في القاموس: المسلحة بالفتح: الثغر و القوم ذو سلاح.
[٤] أَمْعَنْتُمْ: أمعن في الأرض ذهب فيها بعيداً، و أمعن في الطلب، أي: جدّ و أبعد.
[٥] مُصَاَرَحَةً: صارح بما في نفسه، أي: أبداه.
[٦] الْحَمِيّةِ: الحرب و العداوة، أي: عاديته، و أظهرت له العداوة.