إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ١٨٢ - الوصية بالزهد و التقوى
رَابِحٌ، وَ مُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ، لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى اَلْأُمَمِ اَلْمَاضِينَ مِنْكُمْ وَ اَلْغَابِرِينَ، لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً، إِذَا أَعَادَ اَللَّهُ مَا أَبْدَى، وَ أَخَذَ مَا أَعْطَى وَ سَأَلَ عَمَّا أَسْدَى، فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا، وَ حَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا! أُولَئِكَ اَلْأَقَلُّونَ عَدَداً، وَ هُمْ أَهْلُ صِفَةِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ: (وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ اَلشَّكُورُ)[سبأ -١٣].
فَأَهْطِعُوا[١] بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا، وَ أَلِظُّوا[٢] بِجِدِّكُمْ[٣] عَلَيْهَا، وَ اِعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً، وَ مِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً. أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ، وَ اِقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ، وَ أَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ، وَ اِرْحَضُوا[٤] بِهَا ذُنُوبَكُمْ، وَ دَاوُوا بِهَا اَلْأَسْقَامَ، وَ بَادِرُوا بِهَا اَلْحِمَامَ، وَ اِعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا، وَ لاَ يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا. أَلاَ فَصُونُوهَا وَ تَصَوَّنُوا بِهَا، وَ كُونُوا عَنِ اَلدُّنْيَا نُزَّاهاً، وَ إِلَى اَلْآخِرَةِ وُلاَّهاً. وَ لاَ تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ اَلتَّقْوَى، وَ لاَ تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ اَلدُّنْيَا. وَ لاَ تَشِيمُوا[٥]بَارِقَهَا، وَ لاَ تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا، وَ لاَ تُجِيبُوا نَاعِقَهَا، وَ لاَ تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا، وَ لاَ تُفْتَنُوا بِأَعْلاَقِهَا، فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ، وَ نُطْقَهَا كَاذِبٌ، وَ أَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ، وَ أَعْلاَقَهَا مَسْلُوبَةٌ. أَلَا وَ هِيَ اَلْمُتَصَدِّيَةُ[٦] اَلْعَنُونُ[٧]، وَ اَلْجَامِحَةُ[٨] اَلْحَرُونُ[٩]،
[١] فَأَهْطِعُوا: أهطع في عدوه، أي: أسرع، و أهطع البعير: إذا مدّ عنقه و صوّب رأسه. و في بعض النسخ بدل فاهطعوا فانقطعوا بأسماعكم، فلا بدّ من التضمين، أي: انقطعوا مستمعين بأسماعكم.
[٢] أَلِظُّوا: اكظوا أمر من الكظَّ، و هو الجهد، يقال: كظَّه الأمر: جهده، و الكظاظ: طول الملازمة و شدّة الممارسة، و في بعض النسخ: و ألظوّا من ألظَّ في الأمر، أي: ألحّ فيه، و ألظَّ المطر، أي: دام، و في بعض النسخ: و واكظوا من المواكظة و هي المداومة على الأمر.
[٣] جِدُّكُمْ: الجدّ في الشيء بالكسر: المبالغة و الاجتهاد فيه.
[٤] ارْحَضُوا: رحضت الثوب رحضاً من باب منع: غسلته.
[٥] تَشِيْمُوا: شام البرق يشمه، إذا نظر إليه انتظاراً للمطر.
[٦] الْمُتَصَدِّيَةُ: تصدّى له: تعرّض.
[٧] الْعَنُونُ: عنّ الشيء يعنّ من باب ضرب عناً و عنناً و عنوناً: إذا ظهر أمامك و اعترض.
[٨] الْجَامِحَةُ: جمح الفرس براكبه يجمع من باب منع جماحاً و جموحاً، استعصى حتّى غلبه فهو جموح، وزان رسول و جامح، و جمحت المرأة خرجت من بيتها غضبى بغير إذن بعلها.
[٩] الْحَرُونُ: حرن الدابة حروناً، من باب قعد: فهي حرون، و هي التّي إذا استدرّ جريها وقفت.