الإمام علي الهادي - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ٧٠
إلا الرمل والحصى ، وعلى رأسه مَلْحَفة من الصوف متوجهاً إلى ربه ، يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد ، فأُخذ على ما وجد عليه ، وحُمل إلى المتوكل في جوف الليل ، فمثل بين يديه والمتوكل يشرب وفي يده كأس ، فلما رآه أعظمَه وأجلسه إلى جنبه ، ولم يكن في منزله شئ مما قيل فيه ، ولا حالة يتعلل عليه بها .
فناوله المتوكل الكأس الذي في يده ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ما خامر لحمي ودمي قط فأعْفِنِي منه ، فأعفاه ، وقال : أنشدني شعراً أستحسنه ، فقال : إني لقليل الرواية للأشعار ، فقال : لا بد أن تنشدني . فأنشده :
باتوا على قُلَلِ الأجبال تحرسهمْ * غُلْبُ الرجالِ فما أغنتهمُ القُللُ
واستُنْزِلُوا بعد عِزٍّ عن مَعَاقِلهمْ * فأُودعُوا حُفَراً يا بِئسَ ما نَزلوا
ناداهُمُ صارخٌ من بعد ما قُبروا * أينَ الأسِرَّةُ والتيجانُ والحُلَلُ
أينَ الوجوهُ التي كانت مُنَعَّمَةً * من دونها تُضرُب الأستارُ والكِللُ
فأفصحَ القبرُ عنهمْ حين ساءلهمْ * تلكَ الوجوهُ عليها الدُّودُ يَقْتَتِل
قد طالَ ما أكلُوا دهراً وما شربوا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكِلوا
وطالما عَمروا دوراً لتحصنهمْ * ففارقوا الدورَ والأهلينَ وانتقلوا
وطالما كنزوا الأموالَ وادَّخروا * فخلَّفُوها على الأعداء وارتحلوا
أضحت مَنازِلُهم قَفْراً مُعَطَّلَةً * وساكنوهَا إلى الأجْدَاثِ قد رَحَلُوا
قال : فأشفق كل من حضر على علي ، وظنوا أن بادرة تبدر منه إليه ، قال : والله لقد بكى المتوكل بكاء طويلًا حتى بلت دموعه لحيته ، وبكى من حضره ، ثم أمر