الروضة الغناء في عدم جواز استماع الغناء - السيد محمد باقر الكشميري - الصفحة ١٤ - الأوّل ظهور معقد الإجماع المحقّق- و كذا معاقد الإجماعات المنقولة على حرمة الغناء و استماعه بأسرها- في العموم؛
بمعنى آخر. و آية ذلك أنّهم إذا سمعوا من بعيد صوتا ممدودا مع الترجيع و الطرب يحكمون بكونه غناء من دون توقّف على استعلام ما يغنّى فيه، أ هو نظم أو نثر أو قرآن أو دعاء أو غيرها، و كذا يقولون: إنّه يغنّي في القرآن و الدعاء مثلا، نعم لا يقولون بقول مطلق: إنّه يغنّي بل يقولون: إنّه يقرأ القرآن.
فإن قلت: أ ليس قد تقرّر في محلّه أنّ صحّة السلب من علائم المجاز؟
و لا ريب أنّه يصحّ سلب الغناء عرفا عن الترجيع المطرب في قراءة القرآن فيقال إنّه لا يغنّي بل يقرأ القرآن، و كذا يصحّ أن يقال: إنّه لا يغنّي بل يرثي أو يدعو.
قلت: هذا لا ينافي ما ذكرنا أصلا لأنّ صحّة السلب بمعنى لا ينافي عدم صحّة السلب بمعنى آخر. توضيحه أنّ الغناء له معنيان:
أحدهما: الكيفية الخاصّة القائمة بالصوت التي لا تختصّ بلفظ و لا معنى.
و الثاني: الغناء المستعمل في الأشعار الباطلة من التشبيب و الغزل و شبههما، و هو أخصّ من المعنى الأوّل.
و حيث إنّ المتعارف الشائع عند أهل العرف هو المعنى الثاني فهو المتبادر عندهم من الغناء في محاورتهم و إطلاقاتهم، و صحّة سلب الغناء عن الغناء في القرآن و المراثي إن سلّم فإنّما هي باعتبار المعنى الثاني دون الأوّل، و مراد الفقهاء من الغناء المحرّم هو المعنى الأوّل دون خصوص المعنى الثاني.
و لعلّ السرّ فيه أنّه إذا كان للشيء عنوانان- سواء كان أحدهما أخصّ من الآخر مطلقا أو من وجه- فربّما يغلب أحد العنوانين صاحبه في كثير من الاستعمالات و المحاورات العرفيّة، بل يوجب صرف النظر عن سائر العناوين و إن كانت شاملة له حقيقة فيوهم صحّة سلب تلك العناوين المغلوبة. و لذلك أمثلة كثيرة يقف عليها المتأمّل البصير، كالتكلّم بالقرآن أو الذكر أو قراءة شيء من الكتب؛ فإنّه لا يقال في العرف للمتكلّم بها إنّه يتكلّم بقول مطلق،