الروضة الغناء في عدم جواز استماع الغناء - السيد محمد باقر الكشميري - الصفحة ٢ - في التمسّك بالأصل للجواز
أمّا بعد فإنّ حكماء الإفرنج قد أبدعوا آلة عجيبة لصون الأصوات و حفظها، و قد ذاكرني بعض أجلّاء الدهر و أعيان العصر مسألة جواز استماع الغناء المودع فيها و عدمه. و حيث إنّها من الفروع الجديدة و المسائل النافعة المفيدة أحببت التكلّم فيها و رفع عقيرة التحقيق في نواحيها، حسبما يسوقني إليه نظري القاصر و يقودني إليه فكري الفاتر، و يؤدّيني إليه طبعي الكليل العاثر. و أسأل اللّه سبحانه أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، و أن يهديني إلى النهج القويم و الصراط المستقيم، إنّه سامع الأصوات و مجيب الدعوات.
[في التمسّك بالأصل للجواز]
فأقول مستعينا باللّه جلّ و عزّ و منه العصمة و التأييد و التوفيق و التسديد:
إنّه لا إشكال في جواز استماع الأصوات المودعة في تلك الآلة المبتدعة إذا لم تكن غناء و لا باطلا و لم تقترن بمحرّم خارجي، أمّا لو كان الصوت الخارج منها غناء بأن يودع فيها و يصان صوت غناء الإنسان، فهل يجوز استماعه منها أم لا؟ و جهان: أشبههما عدم الجواز. و يمكن أن يستدلّ على الوجه الأوّل بالأصل السليم عن المعارض، إذ الأدلّة الدالّة على حرمة الغناء غير شاملة لمثل المفروض؛ لأنّ أكثرها مختصّة بصوت الإنسان كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [١] و كقوله تعالى: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [٢]، إذ الظاهر أنّ القول و الحديث مختصّان بالإنسان أو بذي لسان أو بمطلق ذوي العقول، و كيف كان فهما لا يشملان الأصوات الخارجة من الجمادات كالأشجار و الأحجار و غيرها، و منها الصوت الخارج من هذه الآلة المستحدثة، و كذلك أكثر أخبار الباب- كالأخبار الدالّة على
[١] الحج (٢٢): ٣٠.
[٢] لقمان (٣١): ٦.