الروضة الغناء في عدم جواز استماع الغناء - السيد محمد باقر الكشميري - الصفحة ٦٦
عدم سماع رجل واحد أكثر من صوت، فلأنّه إنّما يدرك الصوت الحاصل في صماخه لا غير، و هو واحد، و كذا كلّ واحد من السامعين.
و كذا الظاهر أنّ السماع يتوقّف على وصول الهواء الحامل للصوت إلى السامعة للوجوه التي مرّت.
و أمّا سماع الصوت من وراء الجدار فيمكن بنفوذ الهواء في المنافذ الضيّقة. و توهم تبدّل شكله مدفوع بأنّه ليس كأشكال الجسم من التربيع و التثليث حتّى يتغيّر، بل هو كيفيّة من الكيفيّات فيجوز أن لا يتغيّر كالحرارة و البرودة أو يكون مباينا لها ممّا لا يصل إليه العقول. بل أقول: إنّ كنه حقيقة جميع الأشياء ممّا لا تدركه الأوهام و الفطن، و إنّما تدرك بعد آثارها و علائمها و خواصّها، و من أجل ذلك اضطربت آراء الحكماء و الفلاسفة من الاشراقيّة و المشائيّة و ضلّت أوهامهم و طاشت أحلامهم و زلّت أقلامهم و كلّت أفهامهم عند الخوض فيها و الاقتحام في مهاويها و لم يحصلوا فيها على طائل.
و أين الثريّا من يد المتناول.
و هؤلاء أساطينهم قد «خبطوا خبط عشواء» [١] و ركبوا متن عمياء و جاؤوا بالشقر و البقر و بنيات غبر. ألا تراهم كيف تاهوا في تحديد العلم الذي هو من أوضح المفاهيم العرفيّة و اختلفوا فيه إلى أقوال شتّى تزيد على عشرة، فقال بعضهم: إنّه نسبة بين العالم و المعلوم، و قال بعضهم: إنّه الحالة الإدراكيّة، إلى غير ذلك من التعبيرات البعيدة و التعريفات الغير السديدة. أ ليس العلم نفسه أبين من هذه التعاريف على تقدير سلامتها من النقوض و هيهات ذلك فهلّا أحالوه على الوجدان و استراحوا عن تجشّم التعاريف التي هي مظنّة الخطأ بقولهم في العيان ما يغني عن البيان، فإنّهم إن عثروا لم يقالوا، و إن أصابوا لم يحمدوا بما قالوا، و في قول اللّه عزّ و جلّ عبرة لمن اعتبر و تذكرة لمن ادّكر
[١] راجع: تاج العروس، ج ١٩، ص ٢٣٦؛ لسان العرب، ج ٧، ص ٢٨١.