مصابيح الأحكام - السيّد محمّد مهدي الطباطبائي بحر العلوم - الصفحة ٢٣٧ - الردّ على الوجوه الثلاثة
وأمّا ثانياً: فلعدم تأتّي التأويل المذكور في بعض أخبار الكرّ، كحسنة زرارة: «إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجّسه شيء إلاّ أن يجيء له ريح يغلب على ريح الماء»[١]; إذ لو حمل التنجيس هنا على التغيير لفسد الاستثناء، كما لا يخفى.
وأمّا ثالثاً: فلأنّه لو كان الكرّ معياراً لما[٢] لم يتغيّر بالنجاسات المعتادة غالباً، لزم بحكم المفهوم ثبوت التغيير بها لما[٣] نقص عنه ولو قليلا، كدرهم مثلا.
والبديهيّة تقضي بأنّ المقدار المؤثّر في تغيير الناقص عن الكرّ بدرهم، أو أقلّ، يقتضي ثبوت ذلك التأثير فيما بلغ كرّاً أيضاً، وما لا يؤثّر في هذا لا يؤثّر في ذاك.
وأمّا رابعاً: فلأنّ النجاسات المعتاد ورودها، منها: ما لا دخل له في التغيير بوجه، وإن تكرّر وروده، كمباشرة نجس العين من الحيوانات، وملاقاة المحلّ المتنجّس الخالي عن النجاسة.
ومنها: ما له مدخليّة فيه، ولكن يختلف بالنظر إلى النجاسة الواردة كميّةً وكيفيّةً، وكذا المحلّ القابل صفاءً وكدورةً، وعذوبةً وملوحةً، بل ربما يتّفق الاختلاف والتفاوت بالنسبة إلى الأُمور الخارجيّة، كاختلاف الهواء حرارةً وبرودةً.
وبالجملة، فالنجاسات المعتادة ربما تؤثّر في مقدار الكرّ، وقد لا تؤثّر في الناقص عنه، وليس ذلك حدّاً ينضبط ولا قاعدةً لا تنخرم، فلا يمكن جعله معياراً يعتمد عليه، ولا مداراً يستند في الأحكام الشرعيّة إليه.
وأمّا خامساً: فلأنّ تغيير الماء في أحد أوصافه الثلاثة أمر محسوس لا لبس فيه،
[١]. الكافي : ٣ : ٢ ، باب الماء الذي لا ينجّسه شيء ، الحديث ٣ ، التهذيب ١ : ٤٥ / ١١٧ ، باب آداب الأحداث الموجبة للطّهارة ، الحديث ٥٦ ، الاستبصار ١ : ٦ / ٤ ، باب مقدار الماء الذي لا ينجّسه شيء ، الحديث ٤ ، وسائل الشيعة ١ : ١٤٠ ، كتاب الطهارة ، أبواب الماء المطلق ، الباب ٣، الحديث ٩ .
[٢]. في «د» و «ن» : لماء .
[٣]. في «ن» : إن .