مصابيح الأحكام - السيّد محمّد مهدي الطباطبائي بحر العلوم - الصفحة ١٩٨ - ردّ الاستدلال بالأخبار
في أنّ الراوية إنّما تنجس بالتفسّخ، ومازاد[١] عليها لاينجس مطلقاً، فلو كان التفسّخ فيها محمولا على التغيير، لزم الحكم بطهارة الزائد على الراوية،وإن تغيّر، وذلك مخالف لإجماع المسلمين كافّة.
ولاستثناء التغيير في الرائحة في قوله ٧:«إذ كان الماء أكثر من راوية لا ينجّسه شيء، تفسّخ فيه أم لم يتفسّخ، إلاّ أن يجيء له ريح يغلب على ريح الماء»; فإنّه صريح في أنّ التغيير غير مراد من لفظ التفسّخ.
ولقد أبعد الشيخ (رحمه الله) في التهذيب[٢] في توجيهه هذه الرواية، حيث حمل الراوية فيها على ما كان قدر الكرّ، وخصّ النهي عن الوضوء والشرب بما إذا تغيّر الماء. ويتوجّه عليه مع ما تقدّم، أنّه لو كان المراد من الراوية مقدار الكرّ، لم يكن بينها وبين ما زاد عليها فرق في الحكم، مع أنّ الرواية صريحة في الفرق بينهما.
وأقصى ما يمكن أن يقال في توجيهه: أنّ تفسّخ الميتة فيما كان بقدر الكرّ يقتضي تغيّر جزء منه، فينجس ذلك بالتغيير والباقي بالملاقاة; لكونه أقلّ من الكرّ، فلا يعصم نفسه عن الانفعال، بخلاف ما كان أكثر من الكرّ، فإنّه يختصّ المتغيّر منه بالتنجيس لو كان الباقي كرّاً.
ومنه يعلم الفرق بين الراوية وما زاد عليها، حيث حكم في الراوية بالنجاسة على تقدير التفسّخ، وفي ما زاد عليها بالطهارة، وإن حصل التفسّخ. وأنت خبير بأنّ ذلك ـمع ما فيه من التعسّف الظاهرـ لا يتأتّى القول به في مثل الجَرّة[٣]، والقِربة[٤]، وما أشبههما من الأواني والظروف، فإنّ حملها على ما كان بقدر الكرّ بعيد جدّاً، بل
[١]. في «ن» : وأما الزائد .
[٢]. التهذيب ١ : ٤٣٧ ، الزيادات في باب المياه ، ذيل الحديث ١٧ .
[٣]. الجَرّة : إناء من خزف كالفَخّار . لسان العرب ٢ : ٢٤٤ ، « جرر » .
[٤]. القِربة : من الأساقى ، الوَطَب من اللبن ، وقد تكون للماء ، وقيل : هي المخزوزة من جانب واحد . لسان العرب ١١ : ٨٦ ، « قرب » .