مصابيح الأحكام - السيّد محمّد مهدي الطباطبائي بحر العلوم - الصفحة ٢٣٣ - الردّ على الوجوه الثلاثة
فيها عدم العلم بوقوع النجاسة، فلم يتوجّه إليه النهي التنزيهي أيضاً.
وأمّا سائر الأخبار الدالّة على الانفعال، فإنّها وإن لم تكن بهذه المثابة في وضوح الدلالة، إلاّ أنّ تنزيلها على أحد هذين التأويلين بعيدٌ جدّاً، سيّما الأخبار المتضمّنة للنجاسة بالملاقاة، كمفهوم قوله ٧: «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء»[١]، ومنطوق رواية أبي بصير: «ما يبلّ الميل ينجّس حبّاً من ماء»[٢]; فإنّ المراد من النجاسة هو المعنى المعروف عند المتشرّعة ـكما بيّناه سابقاً[٣]ـ ومع ذلك لا يعقل الحمل على التنزّه والاستحباب، ولا التفصيل بالاختيار والاضطرار، على أنّا لو سلّمنا جواز تطرّق التأويل بالنظر إلى كلّ واحد من تلك الروايات، فمن البيّن عدمه بالنسبة إلى مجموعها; يظهر ذلك لمن أمعن النظر فيما ورد من الأخبار في هذا الباب، وضمّ بعضها إلى بعض.
وثالثاً: أنّ الماء الملاقي للنجاسة إن كان نجساً وجب اجتنابه مطلقاً، اختياراً واضطراراً، في الوضوء والشرب وغيرهما.
وإن كان طاهراً جاز استعماله كذلك; لتحقّق شرط الاستعمال ـوهو الطهارةـ وانتفاء ما يقدر للمانعيّة هنا، سوى نجاسة الماء، والمفروض انتفاؤها. فلا وجه للمنع عن الاستعمال حالة الاختيار في الوضوء والشرب خاصّة، ولا للحكم بفساد العبادة المشروطة بالطهارة.
والحاصل: أنّ المنع عن الاستعمال حال الاختيار ـ على تقدير القول به ـ لا يكون
[١]. قد سبق تخريجه في الصفحة ٩١ ، الهامش ٣ و ٤ .
[٢]. الكافي ٦ : ٤١٣ ، باب من الضطرّ إلى الخمر للدواء ، الحديث ١ ، التهذيب ٩ : ١٣٠ / ٤٨٦ ، باب الذبائح والأطعمة ، الحديث ٢٢٢ ، وسائل الشيعة ٣ : ٤٧٠ ، كتاب الطهارة ، أبواب النجاسات ، الباب ٣٨، الحديث ٦ .
[٣]. راجع : الصفحة ١٠٢ ـ ١٠٣ .