الديوان المنسوب إلى الإمام السجاد - بهجت العطار، قيس - الصفحة ٣٠ - المقام الثاني
لذلك كان الأئمّة (عليهم السلام) يستخدمون الشعر لترسيخ المفاهيم الإسلامية، لا لنقص النثر وعجزه عن أداء الأغراض، بل لأنّ السامع المخاطب أكثر تفاعلًا مع الشعر، وألين عريكة معه، وأشدّ انسجاماً مع انسيابيته، فالنقص كما يقال في القابل لا في الفاعل، وربّما يكون ذلك من مصاديق قول رسول اللّه (ص): إنّا معاشر الأنبياء نكلّم الناس على قدر عقولهم[١]. يستثنى من ذلك قول الشعر بالنسبة للنبيّ (ص) كما تقدم ويبقى الباقي على ما هو عليه من فائدة وتأثير.
ناهيك عن أنّ العرب على وجه الخصوص حفظوا آثارهم ومآثرهم عن طريق الشعر أكثر من النثر، لذلك يكون الشعر مساوقاً لعراقة التاريخ، وممتدّاً معهم إلى أبعد الجذور التي ينتمون لها، وحينذاك تكون مخاطبتهم بالشعر منسجمة مع نفسيتهم وأقرب إلى ذواتهم وتجاربهم التاريخيّة والجينيّة.
وفوق كلّ ذلك نحن نذهب إلى أنّ الأئمّة (عليهم السلام) كرّسوا الاهتمام بالشعر والشعراء في مقابل المدّ السلطوي الذي كان يستغل الشعر والشعراء أبشع استغلال في سبيل مقاصده الدنيويّة، حيث كانوا يسخّرون ذلك لتثبيت حكوماتهم وإلهاء الناس بمدحهم وهجاء أعدائهم، وإشغالهم بالغزل والتشبيب والوصف والملاحاة وغير ذلك، فكان الأئمّة (عليهم السلام) يقابلون ذلك بالشعر الهادف، ليكونوا نموذجاً يستنّ به محبُّوهم ومن فيهم رشحة من رشحات الإيمان.
فإذا علمنا ما تقدّم، يبقى الكلام في مدى صحّة نسبة الشعر الفلاني إلى الإمام المنسوب إليه، فإنّ هذا هو ما يحتاج إلى التحقيق والتدقيق والتمحيص، من ناحية قدم المصادر، ومتانة الشعر، وملاءمته للمناسبة المقول فيها، وهل استشهد به أم أنشأه؟ وهل نسب لغيره أم لا؟ وغير ذلك من الوجوه التي يمكن أن يعرف بها الشعر الصحيح من المنحول، وهذا ما يعرفه الأدباء وأرباب الصنعة
[١] - المحاسن، للبرقي ١: ١٩٥ ح ١٧.