الديوان المنسوب إلى الإمام السجاد - بهجت العطار، قيس - الصفحة ١٨ - المقام الأول
وراح معاوية يهدّد ويتوعّد كُلّ من هجاه بشعر أو ناصَرَ أمير المؤمنين (ع) في حرب صفين، ويكفيك أن تلقي نظرة سريعة على الوافدين على معاوية لتقف على جليّة الحال، بل كان يهدّد حتى النساء الطاعنات في السّنّ اللّواتي قُلْنَ فيه شعراً أو نثراً أو مَدَحْنَ أمير المؤمنين (ع)، أمثال: سودة بنت عمارة الهمدانية، وبكارة الهلالية، والزرقاء بنت عديّ الهمدانية، وأمّ سنان المذحجية، وعكرشة بنت الأطرش بن رواحة، والدارمية الحجونية، وأمّ الخير بنت الحريش بن سراقة البارقي، وأروى بنت الحارث بن عبدالمطلب، وأمّ البراء بنت صفوان بن هلال، وآمنة بنت الشريد زوجة عمرو بن الحمق التي سجنها معاوية سنتين.
وأمّا يزيد فحدّث ولا حرج، فإنّه أراد أن يستعبد الناس، فحرّرهم أبيّ الضيم الحسين بن عليّ (ع) بدمه المُراق على صحراء كربلاء، ومع عظم هذه الفجيعة نرى جابر الأنصاري يزور قبره خيفة وخلسة، وترثيه الشعراء خائفة وَجِلة، حتّى قال أبو الفرج الأصفهانيّ: وقد رثى الحسينَ بن عليّ- صلوات اللّه عليه- جماعة من متأخّري الشعراء ... وأمّا من تقدّم فما وقع إلينا شيء رُثي به، وكانت الشعراء لا تُقْدِم على ذلك مخافةً من بني أميّة وخشية منهم[١].
وتفنن بنو العباس بالقمع والقهر، حتّى راحوا يتتبعون الموتى منَ الشعراء ناهيك عن أحيائهم.
فقد كان منصور النمري يدين بالإمامة سرّاً ويمدح آل الرسول، ويعرّض في شعره بالسَّلَف، والرشيد لا يعلم ذلك حتّى كثر ... ثمّ أقبل العتّابي يحضّ الرشيد عليه ويذكر مذهبه وينشد شعره في الطالبيين شيئاً بعد شيء، فدعا الرشيد بأبي عصمة- وهو من شيعة بني العباس- فقال له: اخرج من ساعتك إلى الرقة، فخذ منصور النمري فَسُلَّ لسانه من قفاه، واقطع يده ورجله، ثمّ اضرب عنقه،
[١] - مقاتل الطالبيين: ٨١.