الصولة الجعفرية في الرد على اللمعة البهية - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ٢٨ - مقدمة المؤلف
وتصلُّباً في مبدئه وحرصاً على مقاله، ولم يقتنع كلٌّ من الفريقين بما جاءَ به الآخر من برهان ساطع أو حجة بيّنة، فكان الأجدر والأولى بعد الوقوف على ذلك كفُّ بساط القدحِ والانتقاد، والتّعرض لما يثير الأحقاد، ويورث العناد، وتفويض الأمر إلى خالق العباد [قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ][١].
وإنّي لا أستبعدُ أنْ تكونَ في هذه الإعصار يدٌ أجنبية تُحبُّ الوَقيعةَ بالمسلمين، وَتَوَدُّ تفريقَ كلمتهم، وتشتيت شملهم، فتستميلُ بالمال والآمال مَنْ يسعى في ما تحصل به التفرقة، ويحتدم به الخصام بين فرق المسلمين؛ ليَخْلو لها الوَجه في إجراء مقاصدها ونفوذ سياستها.
وإني لأُنَزِّهُ صاحبَ اللّمعة عن هذه الخطّة وأُبرئّه من هذه الوصمة، ولكنهّا بساطة وغفلة، وشنشنةٌ أعرفُها منْ أخزم[٢]، وربّما حَثّهُ عليه جماعةٌ من أولي المآرب والأغراض.
ولقد طلب
مني التعليقَ على هذه سالة واستحثّني على ذلك جماعةٌ من
الشّباب قائلينْ قد أنْصَفَ الَقارَةَ مَنْ راماها[٣]، وإنّ
السكوتَ يُعَدُّ عجزاً أو قبولاً، ورِضى بمضامينها، ولمّا لم أجد بُدّاً من ذلك علَّقْتُ
على الفَصْلِ الأول منها، على الأهمّ فالأهم، بلا استيفاء للحُجج، ولا إطناب في
المقال، وقصدي مع ذلك بيانُ ما ينبغي أنْ يكونَ عليه منهاج الردّ والإيراد،
والمناظرة مع المخالف في هذه الإعصار، واللهُ تعالى هو المؤيِّد والمسدّد والهادي
إلى نهج الصواب.
[١] سورة سبأ: الآية ٢٤.
[٢] مثل عربي: يُضْرَبُ للرَّجُلِ يشبه أباه, جمهرة الأمثال, ج١, ص٥٤١.
[٣] مثل عربي قديم, يضربُ لمساواة الرجل صاحبه في ما يدعوه اليه, والقارة قبيلة من الهون بن خزيمة, كانوا معروفين بإصابة الرمي, جمهرة الأمثال, ج١, ص٥٥.