الإمامة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٨٨ - شاهد الحال
واقعة مالك بن نويرة وهي لعمري إنْ لْم تكنْ مثلبة فما كادت لتكون منقبة فراجع السيَر وتعرّف الواقعة تعرف أنّ مالكاً وأصحابه لم يخلعوا طاعة ولا فارقوا الجماعة[١], وإنّ ما صدر من خالد بن الوليد معهم كان ظلماً وعدوانا ولا ينبئك مثل خبير, وعند الله تجتمع الخصوم, والحاصل لم يبلغنا إرتداد أحد ولا محاصرة المدينة ولو كان فزمان التجهيز كان بحيث أنّه لولا تركه لاختل أمر الدين مما لا يتفوه به عاقل وهو بهذا العصر على أنّ مَن ارتدّ على فرضه إنْ لم يأتِ وينازع على إجراء الحدود مثلاً هو لا يأتي ولا ينازع فالاعتذار بهذه المعاذير الواهية كما وقع من بعض علمائهم في غاية الضعف لا يخلو من التعصب ومِن الشواهد القوية تخلّف الأمير ومَن معه من أكابر الصحابة عن الرواح إليها والدخول فيما دخل فيه أهلها, وإنّ عملهم غير مرضٍ للأمير.
ولو ادعوا أنّه أخطأ في اجتهاده.
ففيه بعد منع الخطأ في حقه لاسيما في مثل هذا الأمر العظيم.
إنّ هذا الخطأ قد استمر معه إلى أن قضى نحبه ولقى ربه, ولو كان كذلك ينبغي أن يزول بعد ما تمّ الأمر وتبيّن له وجه صلاحه, كلاّ لقد احتج عليهم في
[١] كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن ينكفئ إلى مالك بن نويرة اليربوعي، فسار إليهم وقيل إنه كان ندأهم, فأتاه مالك بن نويرة يناظره وتبعته امرأته, فلما رآها خالد أعجبته فقال: والله لا نلت ما في مثابتك حتى أقتلك, فنظر مالكاً فضرب عنقه وتزوج امرأته, فلحق أبو قتادة بأبي بكر فأخبره الخبر، وحلف ألاّ يسير تحت لواء خالد لأنه قتل مالكاً مسلماً.
فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر يا خليفة رسول الله إن خالداً قتل رجلاً مسلماً وتزوج امرأته من يومها. فكتب أبو بكر إلى خالد فأشخصه, فقال: يا خليفة رسول الله إني تأولت وأصبت وأخطأت. راجع: تاريخ اليعقوبي: ج٢، ص١٣١. وأكثر من ذلك بشاعة ما نقله الطبري في تاريخه (قال: كان مالك بن نويرة من أكثر الناس شَعراً, وإن أهل العسكر أثْفَوْا (جعلوها أثافِيَّ) برؤوسهم القدور فما منهم رأس إلا وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكاً فإن القدر نضجت وما نضج رأسه من كثرة شعره)، راجع: تاريخ الطبري: ج٢ ص٥٠٣.