الإمامة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٤٧ - مناقشة المقدمة الثانية
ما كانت تطلب في عهد النبي ٥, فكما أنها في زمانه مستغنية عن حافظ معصوم كذلك في باقي الأعصار, وإرادة أكثر من ذلك لا دليل عليه بل في ملاحظة حال السلف وحال أهل عصر النبي أقوى دليل على ذلك, لأجبناه:
أولاً: إنا ننكر اجتهاد النبي ٥ في جزئيات الأحكام وننكر معلومية ذلك في الأمّة, وجريان العمل عليه, فإن القول بذلك خلاف قوله تعالى ]وَمَا يَنْطِقُ عَنِ اْلهَوى, إن هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى[[١] وغير ذلك مما يفيد مفاد الآية[٢].
وأمّا رُسُله وسفراؤه في الأصقاع فمن الممكن المحتمل أنهم لا يعملون إلا بما سمعوه أو علموه من حضرة الرسالة, والحوادث الواقعة لا يُفْتون بها ولا يحكمون إلاّ بعد مراجعة النبي ٥, وما هم إلاّ كَنوّاب المجتهد في هذا الزمان بتبليغ الأحكام إلى المقلدين, فإن ما يحدث من الوقائع وما لم يسمعوه من المجتهد ولم يروه في زبره ورسائله لا يُفتون الناس به بالاجتهاد أبداً بل يتوقفون من الإفتاء حتى يراجعوه, وإبداء هذا الإحتمال يكفي في نهوض الدليل العقلي على إثبات مدّعانا بتقرير أن الكتاب والسنّة صرحا ببقاء الأحكام الإلهية إلى منتهى الأبد, والتغير والتبديل الاجتهادي ينافي الأمر بالبقاء المذكور وإن كان في الجزئيات من الحوادث, والتحفظ عنها حادثة موقوفة على حافظ معيّن فإذا لم يثبت العمل بالاجتهاد في الجزئيات في زمن الحضور مطلقاً, بل هي محتاجة إلى السماع ثبت وجوب وجود الحافظ ليرجع إليه فيها, والقول بثبوت ذلك يلزمه
[١] سورة النجم: الآيات ٣ ـ ٤.
[٢] كقوله تعالى: ]قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ[، سورة يونس: آية١٥. واعلم أن مسألة اجتهاد النبي ٥ من المسائل الخلافية وقد استدل لها بعض علماء العامة بأدلة هي أوهن من بيت العنكبوت وباختصار إن كان المراد المعنى اللغوي فإنكاره مكابرة لا تسمع وإن كان المراد المعنى الاصطلاحي فدون إثباته خرط القتاد، هذا وقد ناقش هذه المسألة سماحة آية الله الشيخ علي كاشف الغطاء في كتابه الأحكام: ج١، ص٢١٨.