الإمامة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٤٤ - مناقشة المقدمة الثانية
مِن القرآن وتدوينه, حتى أنه عيّن لكتابة الوحي أربعة عشر كاتبا, والقرآن كان ينزّل مُنَجَّماً, وكان كلما هبط الأمين بشيء منه, كتبه أولئك ودوّنوْه وضبطوه ونشروه بين الصحابة, وكذلك السنّة قطعاً, نعم نحن لا ننكر بأن جمعاً من الصحابة تصدّوا لحفظ الحديث واجتهدوا في ضبطه لكنَّ كونهم اتفقوا على تلك المحفوظات واتفاقهم عليها صار سببا لبقائها بحيث صارت كالكتاب أمر غير معلوم, بل المعلوم عدمه وإن كان ذلك قد يُقال به أو يُدعى به في بعض المتواترات من الأحاديث, فنحن ما ادعينا السلب الكلي, بل إنما أنكرنا الإيجاب الكلي الذي لا ينافيه الإعتراف ببعض الأفراد, وحينئذ ينحصر الحفظ في جملة السنّة النبوية بما تواتر وحصل الإتفاق عليه من الصحابة, فلا يقال للصحابة إنهم حافظون إلاّ في هذا المقدار, ويختص الحفظ بمن أدرك شرف الحضور, واقتبس من ذلك النور, وأما من شحطت[١] دياره عن المدينة فلا يأتيها إلا لماما, وكذلك (التابعون وتابعوهم)[٢] إلى زماننا هذا فلا يجري هذا المعنى في حقهم, نعم ما تلقّوه منهم يدا بيد وأخذوه عنهم بلا اختلاف يلزم قبوله, ولكنّ ذلك أقلّ قليل لا يفي بمثقال ذرة من الأحكام ولا يتم به المقصود من بقاء الشريعة, إنّا وكل واحد من الصحابة محتاج إلى الآخر, كاحتياج الآخر إليه في محفوظاته, والبعيد من الأمّة لا شك باحتياجهم إلى الأحكام أشد الاحتياج وقول آحاد الصحابة في حقّهم لا يفيد ظناً فضلا عن العلم لظهور وجود الطعن في حقهم الذي صار به كالشبهة المحصورة فيهم, وعلى ما حررناه فالشريعة معطلة بين الصحابة إذ لم يكن عند كل واحد منهم جميع الأحكام, وعند غيرهم ممن بعد عنهم أو جاء بعدهم أشد تعطيلا. ولو سلمنا احتفاظ الشريعة من جهة وجود الصحابة في العصر الأول, فلا نسلمه قطعا في الأعصار اللاحقة, وبقاء الشريعة إلى أبد الآباد لا يمكن أن يكون مستنداً إلى محفوظات الصحابة في العصر الأول, ولا
[١] شحطت: بَعُدَتْ.
[٢] ورد في الاصل "التابعين وتابعيهم" والصواب ما أثبتناه.