الإمامة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٤٩ - مناقشة المقدمة الثانية
أدلتهم يعارض أدلتهم, فكما أنهم قد استندوا إلى ظواهر الآيات والأخبار على حجيّة الإجماع, وبعد إثبات حجيته بذلك أثبتوا خلافة خلفائهم, كذلك الإمامية يمكن أن تتمسك بأدلة بقاء التكاليف على فساد مذهب أهل السنّة وحقيّة مذهبهم, فإن كانت الظواهر لا تنفع في باب الإمامة يسقط تمسك الفريقين بها, وإن نفعت نفعتهما معاً على أن التمسك بأدلة بقاء التكاليف على تعيين الإمام له جنبتان عقلي من جهة ونقلي من جهة أخرى.
فإن قلت إن مصلحة نصب الإمام لا تزيد قطعا على مصلحة بعث الرسول, وبعث الرسول قد يختص بزمان دون زمان وبقطر دون قطر وبقوم دون قوم, وكثيراً ما يوجد في الربع المسكون من الناس من لم تبلغهم دعوة النبي, وذكر أهل التواريخ أن كثيراً من الخلق في الأزمنة السابقة لم يُرسَل لهم رسول ولا تديّنوا بدين وذلك لمصالح لا يعلمها إلا علاّم الغيوب, فعسى أن يُدّعى أن علة نصب الإمام بعد رحلة النبي ٥ لم تكن كاملة ليترتب عليها وجود المعلول. قلت: نعم نحن نعترف بإمكان ما ذُكر بل بوقوعه, غير أنا نقول: إن أدلة استدامة الشريعة وبقائها إلى يوم الحساب يرفع هذا الاحتمال ويدل على قابلية الزمان وأهله بعد النبي ٥ للعمل بأحكام الشريعة وبعد دلالتها كذلك نقضي بلزوم وجود الإمام فقياس بقاء التكاليف على وجوب بعث الرسول لا محصل له لوجود الفارق بينهما كما بيّنّا.
نعم نصب الإمام عليه السلام بعد النبي ٥ مع الإعراض عن أدلة بقاء الشريعة هو كبعث النبي ٥ في عدم حكومة العقل بلزومه على الله تعالى ولا كذلك بعد فرض وجوب بقاء الأحكام والشريعة, وتوقف البقاء على الحافظ فلا محيص عن القول بوجوب النصب وحُكم العقل به إذ عدم النصب يلزمه عدم البعث وعدم إرسال من يبين الأحكام ويبلغ الأنام, ونتيجته إن الله لا يريد من