الإمامة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٦١ - مناقشة المقدمة الخامسة
سلمان الفارسي L وهو من أجلّ الصحابة وخيارهم أنَّهُ قال ذلك اليوم بمحشد من المهاجرين والأنصار (كرديد ونه كرديد ونه ميداني جكرديد)[١].
أليس في ذلك كفاية عن عدم صدور النص؟ ولو ضربت عن ذلك كله صفحا ففي قول عمر على المنبر حسبما رواه الفريقان واعتمدته الطائفتان (إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة, وقى الله المسلمين شرّها)[٢] إن في قوله (فلتة) أقوى شاهد أن لا نصّ هناك, وجملة الأمر أن دعوى أن هناك نصّاً من النبي في حق أبي بكر أو غيره من الصحابة, أو ادعاه أحد منهم غير علي عليه السلام لعلّه مِن المزخرفات التي لا تليق بأن تدوّن أو يُلتفَت إليها, وأوهى منها أن العباس عمُّ النبي كان منصوصاً عليه, فإن ذلك مخالف لإجماع الفريقين وقد أغنانا غير واحد منهما عن التعرض له.
رابعها: إن تجهيز جيش أسامة إلى مؤتَه[٣], وهو المكان الذي استشهد أبوه فيه في مرض النبي ٥, وعقد اللواء له بأمره وتأميره على المهاجرين والأنصار الذين منهم أبو بكر وصاحبه أقوى دلالة على عدم النص عليه بالإمامة, فإن النبي ٥ لو فُرِض أن الخصم ادّعى عدم علمه بموته في ذلك المرض فلا أقل مِن أنّه ٥ يظن ذلك ظنا قويا, فينبغي استثناء أبي بكر عن ذلك وإبقاء وصيه ومن نص عليه بالإمامة عنده, فعدم استثنائه له يقضي بعدم النصّ عليه البتة.
[١] أراد بقوله (كرديد) فعلتم، وبقوله (نه كرديد) لم تفعلوا، والمعنى إنكم عقدتم لمن لا يصلح للأمر ولا يستحقه وعدلتم عن المستحق، وهذه عادة الناس في إنكار ما يجري على غير وجهه لأنهم يقولون فعل فلان ولم يفعل، وقد صرح سلمان L في قوله: أصبتم سنة الأوليين وأخطأتم سنة أهل بيت نبيكم. نفس الرحمن: ص٥٨٩.
[٢] ونقل عن الداودي أن معنى قوله (كانت فلتة) أنها وقعت من دون مشورة مع جميع من كان ينبغي أن يشاور، ينظر: فتح الباري لابن حجر: ج١٢، ص١٣٢. المصنف للصنعاني: ج٥، ص٤٤١.
[٣] مؤتة: قرية من قرى البلقاء في حدود الشام. راجع: معجم البلدان للحموي: ج٥، ص٢١٩.