الإمامة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٥٩ - مناقشة المقدمة الخامسة
نعم قد تقدم أن بعض من ليس له قدم ولا روّية ولا اطلاع في التواريخ والأخبار ادّعى النص على خلافة أبي بكر[١], كما أنَّ بعضاً آخر ادّعاه في حق العباس عم النبي, وهما موهونان بما مرّ عليك, وبأن الجمهور مِن أهل السنّة ما أشاروا إلى ذلك في زبرهم بيَد ولا بلسان بل تراهم يثبتون خلافة الأول بالإجماع والثاني بنصّ الأول والثالث بالشورى.
ثانيها: إن أبا بكر في حديث معتبر قال (أقيلوني فلست بخيركم وعليٌّ فيكم)[٢] فإن فيه أمارة ظاهرة وإيماء بيّن إلى صلاحية علي عليه السلام للخلافة, ووقوع النص عليه من الرسول, وإلاّ كيف يطلب الإقالة وهو منصوص عليه بالخلافة؟, وقد قال الله سبحانه ]وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى الله وَرَسُوُلُهُ أمراً إن يَكُونَ لَهُمُ اْلخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينً[[٣] وزعم أنه قال ذلك عملا بما ورد من تصغير النفس, وكراهة مدح الإنسان نفسه, وإظهار عدم القابلية لنفسه أمر مستحسن لرددناه بأن مثل هذا المحل ليس من المقامات التي يستحسن فيها تصغير النفس, والحال أن الله سبحانه أمر بذلك والرسول بلّغَ.
والحاصل: إن صدور هذا الكلام من أبي بكر رواه أكثر أهل السنّة فلا ريب في صحته وهو لا يخلو إما أن يكون على سبيل الحقيقة أو على تصغير النفس أو
[١] قال التفتازاني: "وقيل: نص على أبي بكر L فقال الحسن البصري نصاً خفياً وهو تقديمه إياه في الصلاة وقال بعض أصحاب الحديث: نصاً جلياً وهو ما روي أنه عليه السلام قال: إئتوني بدواة وقرطاس أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف فيه إثنان، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر. شرح المقاصد: ج٥، ص٢٥٩، وقالت الراوندية إنه نص على عمه العباس تلويحاً, وقد نشأت هذه الطائفة في صدر الدولة العباسية وناصرهم الجاحظ في رسالة سماها "العباسية" ثم انقرضت هذه الطائفة في زمن قصير. الشافي في الإمامة: ج١، ص٧.
[٢] الحديث تقدم تخريجه، راجع: ص١١.
[٣] سورة الأحزاب: آية ٣٦.