الإمامة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ١٣٤ - (الحديث الأول) الغدير
أراد الوصيّة بأهل بيته ليعلو شأنهم عند العرب وتزيد مرتبتهم فارتكب ما ارتكب، وأوقع ذلك في غدير خمّ، لأنّه محل تفرق الناس إلى أطرافهم وأهاليهم، وهو أيضاً كما ترى من أنّ شدّة الإهتمام بهذا الأمر موجب إلى ما هو أعظم مِن ذلك وليس إلاّ التنصيب، ومِن البديهي أن ليس المقصود مِن وصية النبي إبلاغ العرب الهمج الرعاع، بل العرب تابعة لرؤسائها، والمقصود إسماع من حضر من الناس ذلك بمحضر من أكابر المهاجرين والأنصار ليشهدوا عليهم إذا نكثوا وخالفوا، ولو كان المقصود مجرد الوصية بحبهم وإبلاغ ذلك العرب لوقع ذلك في عرفات أو في مكة، فإن النافر من مكة إلى أهله خلق كثير، فالمتدرّب المتدبّر يجزم بأن ذلك لم يكن إلاّ لأمر فوري عظيم، والمقصد فيه أخذ البيعة على الرؤساء وإعلام من حضر ليشهدوا عليهم، ولولا يوم الغدير وما وقع فيه من التنصيب لعليّ عليه السلام لما وقع الاختلاف بين المسلمين ولا ادعى عليّ عليه السلام بأنه مغلوب على حقّه ولا جلس في بيته، ولا قُيِّد بحمائل سيفه ولدخل فيما دخل فيه الناس لو كان يعرف في ذلك إطاعة الله تعالى، ومن تدبّر نهج البلاغة جزم بما قلناه.
٣. إنّ الوصية من النبي ٥ بأهل بيته قد (وَقَعَتْ)[١] في مقامات عديدة وفي أخبار متواترة مثل خبر الثقلين وغيره، فلا حاجة حينئذ إلى التكلّف في إبداء هذا الأمر، وليس هو إلاّ من باب إيضاح الواضحات، فإنّ شدّة الاهتمام بهذا الأمر يوجِب إنّه أمرٌ جديد غير مسبوق، فتوقُف النبي ٥ ونزوله وإقامته مع شدّة الحر ما هو إلاّ لأمر حادث فيه نجاة الأمة من الهلاك، وما هو إلا نصب علي عليه السلام إماماً، لأنّه يروم أن يوصي بحبه الذي هو معلوم من يوم مبيته على فراشه، ومأمور به كلّ غزوة، وظاهر من أفعال النبي ٥ وأقواله معه، فمن أرجع حديث الغدير إلى غير التنصيب وصرفه عمّا هو صريح فيه من الإمامة،
[١] ورد في الأصل "وقع" والصواب ما أثبتناه.