الإمامة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ١٣١ - (الحديث الأول) الغدير
ونُقِل عن الرازي أنّه قال: ظفرت بأربعمائة طريق إلى حديث الغدير، ومع ذلك لم تؤثّر صحته في قلبي.
والجواب عن هذه المناقشة ظاهر فإنّ عدم رواية الحديث لا يدلّ على عدم صحّته (بواحِدَةٍ)[١] من الدلالات، لأن عدم روايته لا تكون شهادة على عدم وروده حتى يتعارض النقلان، ويكون حديث الغدير خلافياً بل هي ساكتة عن غير المروية فيها، كيف وليس شرط صحة الحديث أن يروى في جميع الكتب؟ وكثير من مقطوع الصدور لم يُروَ في بعض كتب الأحاديث[٢].
وبالجملة إنّ عدم نقل بعض الرواة للخبر لا يقدح في صحّته، إنّما العبر ة بالأسانيد والطرق، وشاهد حال الرواة والمحدثين، فإذا كان عدد الرواية بمثابة يكون احتمال الكذب والجعل فيها بعيداً يلزم القول بصحتها خصوصاً إذا كانت الرواية مخالفة لما يزعمه الراوي من المذهب، ولو سلمنا اختلاف الرواة في الحديث المذكور فهو من باب تعارض النافي والمثبت والثاني مقدم بالاتفاق بل من المتحقق عقلاً في مقام اختلاف الشهادات أنّ شهادة المثبت مُقَدَمَة على النافي.
وإنْ قالوا: إنّ تقديم شهادة المثبِت على النافي في صورة رجوع شهادة النافي إلى لا أدري لا إلى أدري لا، فإنه يرجع إلى أمر وجوديّ وعدمه، ذكر جملة من
[١] ورد في الأصل "بأحد" والصواب ما أثبتناه.
[٢] حديث الغدير صحيح بشرط مسلم والبخاري ولم يخرجاه بشهادة الحاكم إذ أخرجه في المستدرك: ج٣، ص١٠٩، وقال (صحيح على شرط الشيخين). فالحق أنه لا محل لمنع تواتره لاستفاضة طرقه بينهم فضلاً عنّا, استفاضة توجب أعلى مراتب التواتر عند من أنصف وترك جادة العناد والتعسف. ولقد اعترف كثير من محدثي أهل السنة بصحة الحديث وتواتره كالسيوطي وابن الجزري الذي نسب منكر تواتره إلى الجهل والتعصب. وأما عدم ذكر البخاري ومسلم له في صحيحيهما فغير عجيب إذ كم أهملا أخباراً صحيحة عندهم واستدركها أصحابهم.