الإمامة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٧٦ - دليل اللطف
ولتوضيح هذا المطلب نتكلم في بعث النبي ٥ ومنه يُعلَم حال نصب الإمام, وخلاصته إنّ الحق سبحانه إذا اقتضت مشيئته وتعلقت إرادته بتشريع شريعة مشتملة على طلب أحكام مراده له من أهل عصر لا تدري بتلك الشريعة والأحكام فيجب على الله تعالى أن يبعث لهم من يعرّف ذلك ويبلّغهم هاتيك الأحكام المرادة بالتفصيل وإلاّ فالامتثال ممتنع الحصول والمؤاخذة على عدم امتثال ما شرعه ظلم[١] وتكليف بما لا يطاق, وذلك المبعوث هو الرسول ويسمى نبياً أيضاً[٢]. فإذا عمد أهل ذلك العصر (المُرْسَل)[٣] إليهم ذلك النبي وقتلوا نبيهم بعد بعثه أو حبسوه أو خاف على نفسـه منهم ففرّ إلى صُقْع[٤] أو مكان يضمه عنهم واختبى به عمّن يخافه, فليس على الله تعالى بعد أن يُرسِل غيره أو يحييه بعد قتله, وله أن يعاقب الأمّة (المُرْسَل)[٥] إليهم على جميع أحكامه بعد بلوغهم دعوته, وتقصيرهم في الرجوع إليه سواء بلّغ الأحكام أو بعضها أم لا,
[١] وذلك لقبح العقاب بلا بيان.
[٢] قال الفخر الرازي: "ذكروا في الفرق بين الرسول والنبي أموراً:
أحدها: إن الرسول من الأنبياء من جمع الى المعجز الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أُمر أن يدعو الى كتاب مَن قبله.
والثاني: إن من كان صاحب المعجزة وصاحب الكتاب ونسخ شرع من قَبله فهو الرسول، ومن لم يكن مستجمعاً لهذه الخصال فهو النبي غير الرسول، وهؤلاء يلزمهم ألاّ يجعلوا اسحاق ويعقوب وأيوب ويونس وهارون وداود وسليمان رسلاً لأنهم ما جاءوا بكتاب ناسخ.
والثالث: إن مَن جاءه الملك ظاهراً وأمره بدعوة الخلق فهو الرسول، ومَن لم يكن كذلك بل رأى في النوم كونه رسولاً، أو أخبره أحد من الرسل بأنه رسول الله فهو النبي الذي لا يكون رسولاً.
انتهى، التفسير الكبير: ج٢٣، ص٤٣.
[٣] ورد في الأصل "المرسول" والصواب ما أثبتناه لأنه مِنْ أرسل وليس من رَسَلَ.
[٤] الصُقْعُ: بضم الصاد وسكون القاف: ناحية الأرض والبيت، يقال فلان من أهل هذا الصقع أي من هذه الناحية. لسان العرب: ج٨، ص٢٠١. مادة "ص ق ع".
[٥] ورد في الأصل "المرسول" والصواب ما أثبتناه.