الإمامة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٦٣ - مناقشة المقدمة الخامسة
يكون ذلك عن وحي مثل الأحكام الشرعية, واجتهاده يجوز إن يخالف بعد وفاته, فتخلف أبي بكر وعدم تنفيذه الجيش بعد النبي ٥ لا عصيان فيه, ثم إنّ أمر الرسول عن اجتهاده لا بد أن يكون منوطاً بالمصلحة, وأن لا يعرض ما أهم منه فإذا وجدوا أن تنفيذ الجيش يعقب ضرراً في الدين لهم أن لا يمتثلوه[١] انتهى.
والجواب عن ذلك كله يُعلَم من سالف كلماتنا من مقدمات الدليل العقلي, ونزيده هنا إن عدم امتثال أبي بكر لهذا الأمر لا يمكن أن ينكر في حال حياة النبي ٥, بل وبعد مفارقته الدنيا, أمّا في حال الحياة فلأنّه أراد تنفيذ الجيش فهو واجب, ولا يتم هذا الواجب إلاّ بمسير أبي بكر إذ هو من الجيش فهو واجب, والرواية المعروفة أنّه أقبل عليه في المسجد, وقال ٥: نفذوا جيش أسامة, وهو من جملة الجيش, فلا بد أن يكون أمراً له بالخروج, واستِثناؤُه من الجيش يحتاج إلى دليل وليس في كلامه ما يقضي بالاستثناء.
ومقالة الخصم إنّه من خطاب الأئمة, وإن المخاطب خارج لبعد شموله لنفسه, لا محصّل لها بعد أمره بتنفيذ أمره في مسير الجيش, وكان أبو بكر منصوصاً عليه بالمسير مع أسامة, وخيال أنّ الجيش ليس مثل العشرة التي لا تتحقق بنقصان واحد منها إذ هو اسم لجماعة من الناس أعدت للحرب, فلا يضر في صدق الجيش خروج الواحد والاثنين باطل لعدم ما يقضي بسقوط الأمر عنه بعد أمره بالخروج, وعدم رضاء النبي ٥ بالتخلف, والأمر بالتنفيذ لا يقتضي خروجه وإن كان مخاطباً.
وأوهن من ذلك زعمه أنّ النبي ٥ يأمر بالحروب وما شابهها عن اجتهاد لا عن وحي فمعاذ الله أن يكون كذلك, لأنّ حروبه لم تكن مما تختص بأمور الدنيا, بل للدين فيها أقوى تعلق, والحال أنّ عِز الإسلام وقوته وفتوحه منحصر
[١] الشافي في الإمامة، نقلاً عن المغني: ج٤، ص١٤٤.