الإمامة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٦٢ - مناقشة المقدمة الخامسة
ودعوى أنّ أبا بكر لم يكن مأموراً من النبي ٥ بالمسير مع أسامة بل المأمور غيره يكذّبها ذكر أصحاب السير والتواريخ لذلك, وقد أخرج البلاذريّ في تأريخه, وهو المعروف بالوثاقة والضبط, وبريء من الميل إلى الشيعة أنّ أبا بكر وعمر كانا في جيش أسامة[١], ولعمري أن الإنكار لما يجري هذا المجرى لا يغني شيئاً, وما ذاك إلاّ كمناقشات بعض علماء أهل السنّة لماّ ضاق عليهم الخناق في دلالة حديث أسامة على عدم أهلية أبي بكر للخلافة, ودلالته على عصيانه لتأخره عن جيش أسامة مع أمر النبي ٥ بتنفيذه, فإنهم تفصّوا عن ذلك طورا بأن الأمر لا يقتضي الفور فلا يلزم من التأخر العصيان[٢]. وجوابُهُ في الأصول (مُفَصَّلٌ)[٣] ومحصّله تحقق العصيان بمجرد المخالفة وإن لم نقل بأن الأمر للفَور على ما حققناه في كتبنا الأصولية.
وأخرى بأن الخبر: إن النبي ٥ خاطب أبا بكر بقوله (نفذوا جيش أسامة)[٤], والمخاطب خارج, ونقل أبو الثناء الآلوسي[٥] تبعاً لغيره عن قاضي القضاة ما نصّه }إن خطابه ٥ بتنفيذ الجيش يلزم أن يكون متوجها إلى القائم بعده, لأنه من خطاب الأئمة, وهذا يقتضي أن لا يدخل المخاطب بالتنفيذ بالجملة حتى قال (وهو يدل على أنه لم يكن إماماً (منصوصاً)[٦] عليه, وإلا لأقبل بالخطاب عليه, وخصّه بالأمر بالتنفيذ دون الجميع) ثم ذكر أن الرسول ٥ إنّما يأمر بما يتعلق بمصالح الدنيا من الحروب عن اجتهاده, ولا يجب أن
[١] أنساب الأشراف: ج٢، ص١١٥.
[٢] الفورية: عبارة عن لزوم المبادرة وعدم جواز التأخير في الامتثال عن أول أزمنة الإمكان. منتهى الأصول: ج١، ص٣٤٦.
[٣] ورد في الأصل "مفصلاً" والصواب ما أثبتناه.
[٤] تاريخ خليفة بن خياط: ص٦٤.
[٥] أبو الثناء الآلوسي: محمود شهاب الدين بن عبد الله الحسيني الآلوسي فقيه مفسر ومن أشهر آثاره (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) ت ١٢٧٠هـ.
[٦] ورد في الأصل "منصوص" والصواب ما أثبتناه.