العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٨٢ - ثانيا زهده وتقدسه
يكفيك مع ما نعطيك، وأنا أؤدّي عنك، فتشكّر له السيد وذهب ليقوم فقال له الشيخ: اجلس فتعشّ معي فإنّ عشاي اليوم نفيس على الإرادة، قال السيد: فجلست وحسبت أنّ الشيخ سيعطيني خمسين أو ستين شاميا، وقيمته قُرانان من أول عصرنا، فجاءوا بالعشاء فوضعوه بين أيدينا، فالتفت الشيخ إلي وقال: يا فلان هذا رزق على عينك ومن بركات قدومك تقدم فكل هذا العشاء الحسن، فتقدمت وإذا هو طبيخ ماش ومعه بصل، وجعل يضرب على منكبي ويقول: كُلْ من هذه النعمة التامة التي لا تقوم بشكرها تمنٌ وماشٌ وماء وملح، ومع هذا كلّه أدام، والأدام بصلٌ ونعم الأدام البصل.
يقول السيد بينما نحن كذلك وإذا بعشاء يفوح منه الزعفران وفوقه الدّجاج وكأنمّا بعض العجم أهداه إلى الشيخ فلمّا نظره الشيخ قال لي: قم فَكُلْه، قال: فاختصصت به دونه، والشيخ حَسَرَ عن ذراعيه، وجعل يكسّر البصل ويجعله على طعامه وهو يحمد الله ويشكره ويقول: إيه يا جعيفر وكيف لا تحمد الله الذي سخر لك حراث الأرض وزراعها والحاصدين والدائسين، ثم جلب إليك ثمره وأنت في مكانك، فطبخ وقدّم بين يديك من غير كدّ وتعب فأيّ شكر يؤدى حق نعم هذا المنعم، قال: ولم يأكل من طعامي لقمة واحدة، فلما فرغنا قال: قم إلى تلك الحجرة فافتحها وخذ ما فيها، فقمت إلى حجرة صغيرة في زاوية الطنبية[١]- وهي إلى الآن موجودة- ففتحتها فوجدت فيها كيساً مملؤاً فأخذته وودّعت الشيخ وإذا فيه (خمسمائة شامي) انتهى.
وكان روحي فداه مع عدم ترتيب مأكله وانضباطه ذا قوة ونشاط على العبادة، وكان لصوته ومناجاته تأثير عظيم في القلوب، وكان مدمنا على المناجاة والابتهال ملازما لإحياء الليالي الطوال، ولتضرّعه خاصّية معروفة وهي أنَّ كل من سمعه حلّت الهداية بقلبه ونشطت جوارحه لعبادة ربّه، فمن ذلك ما في كتاب (قصص العلماء) عن بعض أكابر الأفاضل عن
[١] وهي غرفة ديوان كبيرة مأخوذة من الطنب، وفي هذا الزمان تسمى غرفة الاستقبال.