العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٠٤ - خامسا جوده وكرمه
وأولاده ولو كان به وبهم خصاصة[١]، فمنه ما في كتاب (معدن الشرف) أنّ ولده المحقق الشيخ علي تراكمت عليه الديون وأقلقته الحاجة وأزعجته الفاقه، فجاء لأبيه حق غزير، وكان قد شكا إليه أحواله، وأنّه ممن ينطبق عليه حق الفقراء فحمل له من ذلك المال مقداراً معينا، فأخذها الشيخ علي، ولم يعلم به أحد من أهله وعياله وجعلها في صرة وأخفاها بين كتبه، لِيفِ بهادينه ويصلح حاله، فاتفق مجيء مستعطٍ من الشيخ الكبير بعد نفاد ذلك الحق الغزير، فشكا إلى الشيخ الحاجة وضيق المعاش، فأقسم له الشيخ بعدم وجود شيء عنده ولا تحت يديه، فهمّ السيد بالخروج، فقال له: عزيزٌ علي أن يدخل إليَّ طالب فينقلب خائب، فقف مكانك عسى أن يهيء الله لك شيئاً عند أهلي أو أولادي، فتركه ودخل على ولده الشيخ علي، وقال: يا ولدي ما تقول فيمن قد ادخر مالا له وبات مكتفيا شابعاً، وبات أخوه المؤمن محتاجا جائعاً، فقال بئس الرجل ذاك يا أبتِ، فقال له: فامدد يدك وأعطني الصرة التي بين كتبك لأفرّج بها عن أخيك المؤمن كربته، وأبرّد غلّته، ولا تكن أنت ذلك الرجل الذي عِبْتَهُ، فعندها لم يستطع عليمخالفته، فدفع له صرته، ودفعها الشيخ إلى ذلك المحتاج، وردت الفاقة إلى علي كما كانت.
ولك بهذا المقدار من سجايا الشيخ وصفاته كفاية، فإنّ مآثره ومكارمه ليس لها حدّ ولا غاية، فأنّى ومن منحه هذه المكارم الجليلة، طالما سمعت من الشيبة الصالحين أمثال ما ذكرته بما ينيف على الألوف من الصنائع الجميلة خصوصا في أهل النجف، وأنّه كان يشتري لهم الدور والمساكن ويبذل لهم مصارف الأعراس وغير ذلك من اللوازم والضروريات، ولكنا ذكرنا لك في كل مقام نبذة من مآثره يسيرة، تدلك على منزلة عند الله كبيرة، فلننتقل إلى ذكر أسفاره،
وما اتفق له فيها وفي إحضاره من الحوادث العظيمة، والوقائع المشهورة، والنكات المستحسنة، والتخلصات اللطيفة، وهذا هو.
[١] قوله( ولو كان بهم خصاصة) مأخوذ من قوله تعالى ويُؤْثِرُنَ على أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَان بِهِم خَصَاصَةٌ سورة الحشر: ٩.