العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٨٠ - ثانيا زهده وتقدسه
الشيخ بأبيات من كتاب مثنوي الفارسي[١]، وحيث أنّها مغلقة المعنى لم نأت بها والله ولي التوفيق.
هذا وقد كان (رحمه الله) تعوّد من المآكل على ما جشن، ومن الملابس على ما خشن، فإنّه يلبس من الخام الغليظ الذي يصنع شُرُعاً للسفن ثياباً، ومن كرباس الصوف الخشن قباءً ورداءً، وعلى هذا أصحابه وتلاميذه وأهل بيته وأولاده حتى يقال: إنّه رأى يوماً في درسه رجلا من أهل القطيف وهو ملتحف بعباءة ماهود[٢] بعثها إليه أهله، ولم يكن يعرف ذلك في النجف، وكانت مطرّزة بشيء من الإبريسم ومثيله المسمى اليوم بالكلبدون، فرمقه الشيخ شزراً، فلمّا حقق أنّه لِبْسٌ جديد ناداه، فجاء الرّجل ووقف حذاء المنبر، فقال: أيّها القطيفي ما هذه السيرة المخترعة، والسنة المبتدعة؟ (والتَّماثيلُ التَّي أنتُمْ لَها عَاكِفُونَ)[٣]، فقال: يا مولاي ليس هذا من اختراعي ولا بهواي، وإنما بعثه لي أهلي، فقال الشيخ: نعم الجواب أجبت: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: ما هذِهِ التماثيلُ التَّي أَنْتُمْ لَها عَاكِفُونَ، قَالوا أنا وَجَدْنا ابائَنا لَهَّا عَابِدين، قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ وَآبآؤُكُمْ في ضَلالٍ مُبينٍ))[٤].
ثم قال له: اعلم يا شيخ أنّ أهلك إنْ رغبوا في لباسك لهذا وأمثاله فليأخذوك إلى بلدهم، فإنّهم أرسلوك مسترشداً لا مستغويا، ولا يحلّ لك البقاء في النجف وأنت على هذا، فاخرج منها قبل أن تُخْرجَ، واصنع ما شئت فلا جناح عليك بعدها ولا حرج، فقيل: إنّ الرّجل تناول من جيبه سكيّنا وأراد أن يخرق العباءة، فقال له الشيخ: لا تطع الشيطان بشيء وتعصيه
[١] كتاب فارسي منظوم لملا جلال الدين محمد بن محمد البلخي القوني المتوفي سنة( ٦٧٠ ه-) أعتمد عليه طائفة المولوية وغيرهم. أنظر: كشف الظنون/ حاجي خليفة: ٢/ ١٥٨٧.
[٢] نوع من أنواع الأقمشة الشتوية الثقيلة.
[٣] سورة الأنبياء: ٥٢.
[٤] سورة الأنبياء: ٥٢، ٥٣.