العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٧٧ - ثانيا زهده وتقدسه
جيء بغداء الشيخ، ولم يكن في المجلس غيره وغير الشيخ وصاحب الدار، فتعجّب ذلك المشتغل من كثرة الطعام الذي جاءوا به. ثم قال في نفسه: هذا رسم متعارف لدى الناس، إنَّ العظيم يؤتى له بزاد كثير فيأكل منه قدر الحاجة ويغرق الباقي على الخدم والجيران، فتقدّم الشيخ وحده إلى ذلك الخوان[١]، ولم يدع منه سوى يسير لا يشبع إنساناً، فتعجّب ذلك المشتغل، وقال: إنّ هذا الأكل إذا ضرب بخاره في ساحة دماغ الرجل تساوى ما علم وما جهل، فعزم على ترك السؤال، وجزم بعدم طاقة الشيخ على حلِّ أقلّ إشكال، فكيف بما أتى به من المسائل العضال، فلَمَّا نهض قال له الشيخ اجلس، فإنّك جئت بحاجة فاذكرها حتى تُقْضَى لك، فأنكر المشتغل ذاك، وقال: يا مولاي جئت للتشرف برؤياك، فقال الشيخ: لابُدّ من ذلك وأصر عليه غاية الإصرار، فقال: جئت لأسألك فلمّا رأيت أكلك جزمت بعدم قدرتك على حل مشكل، وفتح مقفل، فقال: اذكرها لنا عسى أن نتأمل بها ونعطيك جوابها في غير وقت، فذكرها للشيخ فأخذ الشيخ يسبقه لإتمامها، وينبه على جهات من إشكالها لم يتنبه لها، ثم أخذ يجيب عن كل مسألة مسألة، ويفرّع عليها ويستوفي في أدلّتها وأمثلتها، وجعل ينقض ويبرم، ويبني ويهدم، وانحدر كالسيل المتراكم إذا انقضّ من قلل الجبال.
يقول الراوي: فوا الله لكأنمّا يُمْلى عليه، أو يوحى إليه، فلمّا استوفى جميع المسائل، وفرغ منها، قال لذلك السائل: يا ضعيف البصيرة والنيّة، اعلم أنّ خلّاق البرية، قد أودع في خلقي العجائب، وأبان في أمري الأضداد والنقائض، حيث أنّي لم أَزَلْ متمتعاً بلذائذ الدنيا وروحانيتها ومآكلها وطيّباتها على سبيل الكثرة المفرطة، ومع ذلك فقد رزقني ملكة في العبادة عجيبة، وقدرة في إحياء الليل غريبة، ومنحني الشهوة في أمر النساء مستعرة حتى أنّه ليس لي ليلة من الليالي على تركهن مقدرة، مع فكرة وقّادة
[١] الخُوان: مايُؤكل عليه الطعام.