العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٧٨ - ثانيا زهده وتقدسه
صَفِيّة، في اقتناص شوارد العلوم الخفية، وأنتم حرمتم من اللذّتين، فلا بلذائذ الدنيا نَعِمْتُمْ، ولا بنعيم الطاعات فزتم، فالحمد لله على نعمه عدد مافي علمه وهذه الحكاية على أنّها مذكورة في كتاب قصص العلماء ترجمة، سمعتها من جماعة رواية. وأعجب من هذا كله أنّه (رحمه الله) كان كما وصف نفسه من شدة الشهوة والميل إلى النكاح، حتى أنّه كان يقتدي بسيرة نبيّه (ع) في أسفاره وغزواته، حيث كان يستصحب معه إحدى نسائه، فكان (رحمه الله) يُضْرَب له حجاب في الطريق ويقضي حاجته وراءه، وهذا يدل على أنّه كان أمير الشهوة وسلطانها ومع ذلك فقد كانت بأمره طاعتها وعصيانها، قادراً على أسرها حيثما شاء، فمن ذلك ما اتفق له في بعض أسفاره وذلك أنّ بعض ذوي الثروة والمال كانت عنده بنت بديعة الجمال، فبعث للشيخ رسلًا ووسائط يرغّبونه في العقد عليها دائما، وإن أبى فمنقطعا، فقبل الشيخ بها على الانقطاع، فبعث أبوها بأموال غزيرة على قبوله وأنس أنساً كثيراً، وأخلى للعرس من أحسن دوره وأثمنها، وجعل فيها ما يحتاج إليه من اللوازم والخدم والعبيد، وزيّن البيت بأحسن زينة، وبعث بها إلى الدار، فلما دخلها الشيخ حار بصره، وبهر عقله، مما رأى من تلك الفرش والمعلقات النفيسة مما لم يره قبل، ثم دخل على تلك البنت فجعل يسبح الله ويقدسه من جمالها البديع البهي، وما عليها من الحلل والحلي، وتوجّه إلى القبلة ثم صلى ركعتين، ولما فرغ ناداها فأقبلت إليه.
|
هَيْفَاءُ قَالَ لهَا الجَمَالُ تَخَيّري |
فَتَخَيّرَتْ مِنْهُ أَجَلَّ صِفَاتِهِ |
|
|
تُنْمَىَ إلى كِسْرَى فَتَاةٌ جِيْدهُا |
يَنْمِي إلى الأَرَام في لفَتَاتِهِ |
|
|
طَلعَتْ بِوَجْهٍ لَوْ بَدَا بَدْرُ السَّمَا |
مَعَهُ لأقْسَمَ لسْتِ مِنْ قَسَمَاتهِ |
|
|
لم- ا تَدفّقَ حَوْلهُ مَاءُ الحَيَا |
أَبْدَى جَنِىّ الوَرْدِ في وَجَناتِهِ |
|
فوجد عليها آثار الحزن والكآبة، وقيل: سألها لِمَ لَمْ تتزوجي إلى الآن،