العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢١٣ - القسم الثاني في مراثيه
البحر الغزير.
|
فَهلْ بفرُوعِ الدَوحِ عنْ أصِلها غنىً |
وهَلْ بالسّحَابِ الجُونِ كفوٌ عن البَحْرِ |
|
ولما رجع السيد العلامة[١] رحمه الله من الاتصال بجوار ربّه في العالم الفاني لم يقم إلَّا أياماً يسيرة حتى دعاه مولاه فعرّج إلى حظيرة القدس بمقدّس ذلك الجسم الروحاني، فاستقل الشيخ الأكبر بالأمر، ونهض بأعباء الدين فساس ما شاء فيه وتدبّر إلى أن دخل شهر رجب من سنة الثامنة والعشرين بعد الألف والمائتين، فتوعّك الشيخ وشكا نفسه حتى نعيت إليه نفسه الشريفة، فأوصى بنيه الثمانية بعد أن جمعهم بوصايا كثيرة من أمر الدّنيا الفانية والآخرة الباقية، ثم قال لهم: وقد خلّفت عليكم من يرعاكم بعد خالقكم ولدي الطّاهر المطهّر موسى بن جعفر فاسمعوا له وأطيعوا ولا تخالفوا له قولًا ولا تعصوا له أمراً وخوضوا دونه الحتوف، وعانقوا لأجله السيوف، فإنّه خليفتي عليكم وأنا خليفة الله عليكم، وأنّكم لن تزالوا بخير وعلى خير ما أطعتموه واتبعتموه، ثم ألتفت إليه وقال: بابُنيَ هؤلاء قوّة ساعدك فاستعن بهم على شدائدك، واعطف عليهم فإنّهم لحُمَتُكَ، وارمِ عدوّك بمن شئت منهم فإنّهم كنانتك، وأحسن فيهم فإنّهم منك وأنت منهم ولا تمسك ما في يدك من أثاث الدنيا الفانية عنهم، فإنّ ما أعطيته لك، وما أمسكته عليك، ولا تحملهم على رقاب الناس فتزل قدمك كما زلّت بمن قبلك، ولكن امزج لهم رخاءً بشدّة، وشدّة بعِفّة، وعِفّة بغنىً، وغنىً بزهد، وزهداً بصبر، وصبراً بفقر، ولم يزل يقول لهم: ولا، ولا حتى ضعف عن الكلام، فقال: اخرجوا عنّي وادخلوا عليّ بعد ساعة وجعل يتلوا الكتاب العزيز حتى ضَعُفَ نَفَسهُ، وفارقته نَفْسُه، فهوى عمود الدّين، وطمست آيات الكتاب المبين، وكثر الصراخ والهلع، وكادت السماء أن
[١] هو السيد مهدي بحر العلوم.